قيل وكُتب الكثير عن القرن العشرين بأنه كان قرناً أميركياً، بل و«القرن الأميركي» معرّفاً. في المقابل، يتردد في الفترة الأخيرة القول إن القوّة الأميركية في طور التقهقر، وإن القرن الأميركي في طريقه إلى الأفول مع بروز القوى الصاعدة، هذا إذا لم يكن القرن الأميركي ينتمي اليوم إلى الماضي.
وفي خضمّ المعركة الانتخابية الرئاسية الأميركية، صدرت كتب عدة في أميركا كما في بقية بلدان العالم، جعلت من الولايات المتحدة الأميركية ومكانتها في العالم موضوعاً لها. ومن بين هذه الكتب عمل بيير ميلاندري، المؤرّخ الفرنسي المختص بالعلاقات الدولية وبتاريخ الولايات المتحدة الأميركية وأستاذ العلوم السياسية في باريس، والذي كرّسه لـ «القرن الأميركي.. قصّة تاريخ»، كما جاء في عنوانه.
ويذكّر المؤلف بداية أن توصيف «القرن الأميركي» يعود إلى مقال افتتاحي نشرته مجلة «لايف» الأميركية الشهيرة بقلم هنري لوسي، أحد أقطاب عام الصحافة آنذاك، والذي دعا فيه المواطنين الأميركيين إلى أن يجعلوا القرن العشرين «القرن الأميركي» بامتياز، تماشياً مع موجة من المشاعر العامّة التي كانت تسود لدى أغلبية الأميركيين.. ومنذ الحقبة التأسيسية.
بل وحدد القول إن من واجب «الأمّة» الأكثر قوة من موقع سيطرتها في العالم، أن تكون بالتوازي مع ذلك «المحرّك الأكثر فاعلية» لنشر القيم التي ترفعها. وترجمة ذلك على الصعيد الواقعي، عنى أن تطوّر الولايات المتحدة من صورتها بحيث تكون بمثابة «مجسّدة لقيم الإنتاج، بالتزامن مع تشييد منظومة اقتصادية تتوافق مع مبادئ الحريّة والتقدّم».
ما يشرحه المؤلف هو أن هنري لوسي، لم يفعل سوى التعبير عن «تطلّع» قديم برز مع بدايات قيام المستعمرات «البيضاء» في أميركا منذ القرن السابع عشر، بأن الإنسانية «تشهد انطلاقة جديدة لتاريخها». مثل تلك العلاقة لم تكن غائبة أيضاً عن أذهان الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية في نهايات القرن الثامن عشر.
وكان من المفهوم أن يتعزز مثل ذلك التطلّع في نهايات القرن التاسع عشر، عندما غدت البلاد «القوّة الاقتصادية العالمية الأولى». ومع وصول القرن العشرين غدا الهدف الحقيقي الضمني هو الهيمنة على العالم وأسواقه «سلمياً»، بسبب الكلفة الباهظة للتوسّع ذي الطبيعة الاستعمارية.
لكن مسائل العالم لا تسير بالنوايا والدعوات، بل بما تفرضه أحداث الواقع ومساراتها. وبيير ميلاندري، مؤلف هذا الكتاب، يقوم بالتأريخ لـ «القرن الأميركي» بالتحديد على ضوء هذه الازدواجية، ذات السمة التنازعية في الكثير من الأحيان، بين «إرادة الهيمنة» التي حكمت الكثير من سلوك الولايات المتحدة على صعيد العلاقات الدولية.
وبالتالي على صعيد مكانتها، وبين «أحداث الواقع» التي شهدها العالم خلال القرن العشرين، والتي لم يكن أقلّها نشوب حربين عالميتين، وسلسلة طويلة من الحروب والنزاعات الإقليمية أو المحليّة.
ويبيّن مؤلف الكتاب، أن الولايات المتحدة الأميركية واجهت باستمرار «معضلة التوفيق على صعيد علاقاتها الدولية وسياساتها الخارجية عموماً بين خطابها الأيديولوجي وما تنادي به من قيم وبين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية»..
ويبدأ المؤلف تحليلاته اعتباراً من عام 1910، أي قبل سنوات قليلة من اندلاع الحرب العالمية الأولى، ووصولاً إلى الفترة الراهنة. ثم كانت الحرب العالمية الثانية، لتخرج الولايات المتحدة الأميركية بمثابة المنتصر الحقيقي فيها. وسادت عندها «لحظة كبرى من الحبور الجماعي».
ومن المقولات التي يؤكّدها مؤلف الكتاب، أن الولايات المتحدة الأميركية زعمت مرّات عدة أنها حققت حلم التفوّق على الآخرين، وبالتالي «الهيمنة» على الصعيد العالمي. ولكن فهمت واشنطن في مثل هذا السياق، كما يشير المؤلف، أنه من الأفضل أن يكون بمواجهتها «عدو قوي واحد محدد الهوية بوضوح»، مثل الاتحاد السوفييتي السابق، من أن تجد نفسها في مواجهة «حشد من الخصوم الصغار» الذين يصعب تحديد كيفية مواجهتهم.
ما يؤكّده المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب، هو أن الولايات المتحدة الأميركية لم تنجح في السابق ولن تنجح أبداً، في فرض هيمنتها وسلطتها بشكل كامل على «عالم معقّد ومتبدّل وزاخر بمصادر الفوضى».
فوضى صعبة
يشرح مؤلف الكتاب، أنه، ومع انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991، إثر سقوط جدار برلين عام 1989، ونهاية الحرب الباردة، اعتبرت الولايات المتحدة أنها حققت انتصاراً حاسماً، بل و«نهائياً»، وأن شؤون العالم تميل إلى الهدوء والاستقرار بزعامتها «المتفرّدة». لكنها وجدت نفسها في الواقع في مواجهة حالة «فوضى عالمية أكبر وأكثر اتساعاً»، وبالتالي من الصعوبة أكثر فأكثر «ضبطها».
المؤلف في سطور
بيير ميلاندري، مؤرّخ فرنسي مختص بالعلاقات الدولية وبتاريخ الولايات المتحدة الأميركية. أستاذ العلوم السياسية في جامعات باريس. تابع أبحاثه في مركز ويلسون الأميركي ومعهد نوبل في أوسلو.
من مؤلفاته العديدة: «الولايات المتحدة ونهاية الحرب الباردة»، و«الولايات المتحدة والتحدّي الأوروبي».. الخ.
Le siècle américain
Pierre Melandri
Perrin
Paris - 2016
670 PP
