من المعروف والمتفق عليه أن الولايات المتحدة الأميركية تمثّل أمة من المهاجرين الذين كانوا قد قدموا لها من كل حدب وصوب. باختصار «أميركا هي أرض الهجرة بامتياز»، كما يقال ويُردد باستمرار.
وإذا كان المهاجرون الأوائل الذين قدموا من القارّة الأوروبية «القديمة» يشكّلون الشريحة الأكثر فعالية وتميّزاً في المشهد الأميركي منذ التأسيس فإن هناك خليطاً متنوّعاً من المهاجرين الذين ساهموا في مختلف المراحل ببناء ما هي عليه الولايات المتحدة اليوم.
ومن بين المجموعات المهاجرة التي استوطنت الولايات المتحدة وغدت من أكثر «الأقليات» فعالية هي تلك التي تمثّل القادمين من آسيا عموماً ومن الصين بشكل خاص. هؤلاء الأميركيون ــ الآسيويون هم الذين تخصّهم «مادلين هسو»، أستاة التاريخ ومديرة مركز الدراسات الأميركية ــ الآسيوية في جامعة تكساس، بكتابها الأخير الذي يحمل عنوان «المهاجرون الجيدون، كيف أصبح الخطر الأصفر نموذجاً لأقليّة»، كما جاء في العنوان الفرعي.
إن المؤلفة تشرح على مدى صفحات هذا العمل أن الأميركيين ذوي الأصول الآسيوية حققوا نجاحاً كبيراً في الولايات المتحدة الأميركية على أصعدة كثيرة في مقدمتها المجال الدراسي والحياة المهنية بمختلف مشاربها. وبالاعتماد على مثل هذا النجاح يتم تقديمهم في أغلب الأوقات في وسائل الإعلام ـ وخاصّة الشعبية منها ـ أنهم «نموذج الأقلية الجيّدة»، ومن هنا بالتحديد يأتي عنوان الكتاب.
ومما تشرحه المؤلفة أن تاريح الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية هو بالدرجة الأولى تاريخ «أشكال الحدّ من دخول المهاجرين أو منعهم من الدخول».
والإشارة بهذا الصدد إلى أن إجراءات الحدّ الأولى من الهجرة استهدفت الصينيين مع استثناءين اساسيين يخصّان «الطلبة» و«الأشخاص الذين يمكن أن يساهموا في نعزيز النفوذ الأميركي في الصين». المثال الذي تذكره المؤلفة يخص «أرملة تشانغ كاي شيك»، رئيس وزراء الصين فترة من الزمن.
والتعريف الذي يتم تقديمه لـ«المهاجرين الجيّدين» هو أنهم أولئك الذين يمثّلون بالدرجة الأولى «النخب من المثقفين الصينيين ورجال الأعمال والطلبة الذين حصلوا على السماح بالدخول لهم إلى الولايات المتحدة بسبب الاستثناء في ما يتعلق بإجراءات الهجرة».
وتشير المؤلفة بأشكال مختلفة إلى أن الصينيين لم يكونوا مرغوبين «عاطفياً» و«سياسياً» في أميركا، ولكن «الضرورة الاقتصادية والسياسة الدولية غيّرا من تلك النظرة في ظل المنافسة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، الغربي والشرقي». وأصبح الصينيون مطلوبين بـ«حكم الضرورة».
في جميع الحالات، تشرح المؤلفة أن تاريخ اندماج المهاجرين وما يشكلونه من «أقليات» في المجتمع الأميركي تميّز باستمرار بنوع من «الخصوصية» تبعاً لهذه الأقليّة أو تلك. وتتمايز «ميزات الاندماج ومسالبه» تبعاً للعلاقة مع «البلدان الأصلية وقيمها الاجتماعية». أمّا القوانين الخاصّة بالهجرة فإنها تتغيّر وتتحوّل تبعاً لتأثيرات «العلاقات الدولية» و«الممارسات الإدارية» و«مجريات الأمور الراهنة».
تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن نشوب الحرب العالمية الثانية ووصول النظام الشيوعي إلى الصين «حوّل الكثير من الطلبة الصينيين الذين كانوا يتابعون دراساتهم في أميركا أو في غيرها من بلدان العالم إلى مهاجرين».
أولئك الطلبة كانوا شديدي الفائدة ومن الفاعلين إيجابياً في بلدان الهجرة خلال فترة الحرب الباردة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. والإشارة في هذا السياق إلى أن الطلبة، وخاصّة الصينيين منهم، كانوا الأهداف الأولى لإجراءات الرقابة على الهجرة المطبّقة منهجياً من عام 1882.
وتؤكّد المؤلفة أن ما أظهره اولئك المهاجرون من كفاءة لم يكن بعيداً عن قرار الكونغرس اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي ترمي بجوهرها إلى السماح للصينيين ذوي الكفاءة بأن يصبحوا مواطنين أميركيين. والإشارة إلى أن تلك السابقة فتحت الطريق أمام نقاشات واسعة حول الهجرة وقوانينها واللجوء إلى عدد من الإجراءات القانونية التي كان من أكثرها جذرية تلك التي شهدها عام 1965.
كانت تلك القوانين ترمي بالدرجة الأولى إلى تطبيق سياسة للهجرة غايتها الحدّ من موجات الهجرة إلى الولايات المتحدة. وللمرّة الأولى تمّ إعطاء الكثير من الأهميّة لـ«العرق» والأصول الوطنية ــ الجنسية واعتبار هذه المعايير حاسمة بالنسبة للهجرة. وكان من نتيجة ذلك وضع سلسلة من العقبات أمام بعض الأعراق والجنسيات في اغلبية مناطق العالم، مع استثناء واحد هو أوروبا الغربية والجنوبية.
وفي جميع الحالات كانت المعايير الأساسية تتعلّق بتحديد المصالح الخاصّة للولايات المتحدة الأميركية. والصينيون بالتحديد واجهوا العديد من الاتهامات في البداية انطلاقاً من التعاطف مع الشيوعية إلى الخطر الأمني وضرورة المنع من المساهمة في مجال البحوث الدقيقة....
لكن مع مرور الزمن كسب الصينيون في أميركا صفة عمّال المعرفة واكتسبوا قيمة استثنائية بين جميع الأقليات الأخرى التي انتجتها موجات الهجرة.
وتعود مادلين هسو في شرحها إلى تاريخ قرن من الهجرة الصينية إلى أميركا. ولا تتردد في التأكيد أن المهاجرين الصينيين أثبتوا كفاءة عالية في جميع المجالات وأنهم حسّنوا القدرة التنافسية للاقتصاد الأميركي. وتقدّم المؤلفة مجموعة من الأمثلة على النجاح الذي حققه أميركيون من أصول صينية.
ومن المسائل التي توليها مؤلفة هذا الكتاب، قدراً هاماً من الشرح والتحليل هناك اشكال التحوّل والتبدّل التي طرأت على القوانين والمفاهيم ذات السمة الثقافية التي سمحت للآسيويين ــ وخاصّة الصينيين ــ البقاء في الولايات المتحدة الأميركية حيث أثبتوا عموماً أنهم نماذج مثالية في السلوك. ومما يبدو من شروح هذا الكتاب أن المقصود بـ«المهاجرين الجيدين» أنهم المهاجرون المنتجون.
المؤلفة في سطور
مادلين هسو، مؤلفة هذا الكتاب، هي أستاذة التاريخ ومديرة مركز الدراسات الأميركية ــ الآسيوية في جامعة تكساس. قدّمت الكثير من الدراسات حول المهاجرين الصينيين في أميركا. من مؤلفاتها: الحلم بالذهب، والحلم بالمنزل: التماذج بين الولايات المتحدة وجنوب الصين والأميركيون من أصول صينية وسياسة العرق والثقافة.
الكتاب: المهاجرون الجيدون.. كيف أصبح الخطر الأصفر نموذج الأقليّة...؟
تأليف: مادلين هسو
الناشر: جامعة برنستون ــ 2015
الصفحات:
328 صفحة
القطع: المتوسط
The Good immigrant
Madeline Hsu
Princeton University Press- 2015
328 PP

