العنف هو إحدى الظواهر الرئيسية التي يعاني منها المجتمع الأميركي. ويغدو الأمر أكثر إثارة للقلق أنه غدا من الشائع أكثر فأكثر استخدام السلاح بشكل متزايد في تصفية الخلافات والحسابات حتى لأبسط الأسباب. ويشير الواقع أن المجتمع الأميركي هو الذي يدفع أكبر الأثمان في العالم لانتشار العنف عبر استخدام الأسلحة النارية «المرخّصة قانونياً».
بالمقابل تتعاظم كثيراً التبريرات التي تتكرر بأشكال مختلفة بأن المسؤول عن تعاظم ظاهرة العنف هو أن الذين يقومون فيه يعانون غالباً من «خلل عقلي».
والعلاقة بين «العنف المسلّح والمرض العقلي» هو عنوان كتاب جماعي صدر أخيراً عن «دار المطبوعات النفسانية الأميركية». ومن خلال مناقشة هذه العلاقة يتطرّق المساهمون بإشراف «ليزا غولد»، الطبيبة النفسانية ذات الشهرة العالمية، ومشاركة عدد من الأخصائيين في مشارب مختلفة، إلى البحث في خلفية النقاشات حول العنف المسلّح في الولايات المتحدة الأميركية خلال السنوات الأخيرة وبحيث غدا «ظاهرة تنذر بالخطر».
ويتم التعّرض من قبل المساهمين لمسألة «التعاظم المنذر بالخطر للعنف المسلّح على الصعيد العام». ذلك بالتوازي مع انتشار بيع الأسلحة في الولايات المتحدة بحيث غدت أحد أكثر المسائل نقاشاً لدى السياسيين والأطباء وعلماء الاجتماع والاقتصاديين وغيرهم من أصحاب القرار في مختلف الميادين.
وشرح أن ظاهرة حريّة بيع الأسلحة النارية والانتشار الكبير لأعداد أولئك الذين يمتلكون سلاحاً نارياً في الولايات المتحدة الأميركية، هي في صميم تزايد العنف بينما تتم «المبالغة كثيراً» فيما هو سائد من أفكار وآراء أو «بكل بساطة خطأ ما يتم ترديده حيالها».
تحدد ليزا غولد القول إن مشكلة العنف عبر استخدام السلاح في أميركا يتم عرضها عموماً من خلال صيغة مفادها أن «المجنون وحده يمكن أن يقوم بالعمل الإجرامي المتمثّل في قتل أبرياء».
وتشير أن الجميع يدركون أن «المجنون»، بمعنى الفاقد للمحاكمة العقلية والغريب عن قيم المنظومة الاجتماعية السائدة، يمكن أن يشكّل «خطراً» وأن يرتكب «أفعال عنف». وبناء على ذلك يتم التأكيد أنه ليس المفيد «اجتماعياً» ترك السلاح بين يديه مع واقع غياب الضوابط حول امتلاك السلاح في أميركا.
الوجه الآخر الذي يتم استنتاجه إذن، تبعاً للمنطق الشكلي، هو أن الأعمال الرهيبة التي يستهدف فاعلوها أبرياء من طلبة مدارس وغيرهم وراءها، أي الأعمال الرهيبة، أشخاص «مرضى عقليين»، حسب التوصيفات الشائعة المستخدمة. وما تتم محاولة إثباته في هذا الكتاب هو أن الواقع يقول شيئاً آخر وأن هناك مرضى عقليين يمكن أن يرتكبوا أعمال عنف مسلّح، لكنهم يشكّلون الاستثناء وليس القاعدة بالنسبة للمعنيين.
ويناقش المساهمون في هذا الكتاب مختلف المسائل المتعلّقة بـ«المنظومة الصحيّة الأميركية» الخاصّة بالمرض العقلي، حيث يصلون إلى نتيجة أساسية مفادها أن هذه المنظومة «لا تلقى الدعم المالي الكافي» من قبل السلطات المعنية. هذا فضلا عن أنها «لا تعالج المسألة من مختلف وجوهها». والإشارة أن الأكثر إهمالاً من قبل المنظومة المعنية هم «المرضى العقليون الذين يعانون من إعاقات حادّة».
وتقول الإحصائيات المقدّمة أنه من أصل حوالي 40000 حالة انتحار سنوي هناك النصف بواسطة «سلاح ناري». ويتم تحديد أن الأسلحة النارية تمثّل الوسيلة «الأكثر استخداماً» للجرائم التي تستهدف النساء أثناء الشجارات المنزلية في أميركا.
في المحصّلة تشير المعلومات والإحصائيات المقدّمة أن العنف مع استخدام السلاح الذي يرتكبه أشخاص يعانون من لوثة عقلية خطيرة، يبقى هو الشكل الأكثر ندرة من العنف المسلح في المجتمع الأميركي. وتأكيد أنه من حوالي 33000 حالة قتل تعرفها الولايات المتحدة سنوياً، عبر استخدام سلاح ما، هناك حوالي 60 بالمئة منها تخص عمليات انتحار.
ويتم التركيز في التحليلات المقدّمة في هذا العمل أنه لا يكفي تكرار الدعوات و«النداءات» من أجل تحسين آلية عمل المنظومة الصحيّة الأميركية عامّة والصحّة العقلية خصوصاً. هذه الدعوات والنداءات تتعاظم عادة بعد عمليات العنف التي يذهب ضحيتها أبرياء كانوا في العديد من الحالات من تلامذة المدارس.
والإشارة أنه في الغالبية العظمى من الحالات يتم «استخدام المناسبة» من قبل رجال السياسة من أجل تجنّب الخوض في المسألة الجوهرية الكامنة وراء انتشار ظاهرة العنف المسلّح على مختلف المستويات والمتمثّلة بـ«تنظيم قوانين الحصول على الأسلحة من السوق».
قواعد ناظمة
تشير المشرفة على الكتاب، إلى أن وسائل الإعلام الأميركية والطبقة السياسية الأميركية تذهب باتجاه «الربط» بين عمليات العنف عبر استخدام نوع من السلاح وبين «نماذج» يجري الربط بين عنفها وبين «أحكام مسبقة تجمعها مع الخلل العقلي» لدى مرتكبيها. وتكمن الخطوة الأولى المطلوبة، في هذا الخصوص، في تبنّي «قواعد ناظمة معقولة» لضبط أليات بيع الأسلحة النارية.
والتأكيد على أهمية قاعدة «تعليمية أخلاقية» ينبغي تعميمها وهي القيام بالفصل بين المتنازعين الذين بحوزتهم أسلحة نارية أثناء «الأزمات». ذلك تمشياً مع القاعدة القائلة إن «الأصدقاء لا يتركون أصدقاءهم يقودون السيارة وهم سكارى».
المشرفة في سطور
ليزا غولد، المشرفة على إنجاز هذا العمل الجماعي، هي باحثة شهيرة عالمياً في مجال التحليل النفساني والأمراض العقلية. تساهم بالكتابة في الدوريات المختصّة بمختلف المسائل المتعلّقة بالمنظومة الصحيّة الأميركية. نالت العديد من الجوائز في ميدان اهتمامها.
الكتاب: العنف بسلاح ناري والمرض العقلي
تأليف وإشراف: ليزا غولد وآخرون
الناشر: دار المطبوعات النفسانية الأميركية، نيويورك ــ 2016
الصفحات:
480 صفحة
القطع: المتوسط
Gun Violence and Mental Illness
Liza H. Gold and…
American Psychiatric Publishing
New York - 2016
480 PP
