مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية في خريف هذا العام يزداد الحديث عن كل ما يتعلّق بالبيت الأبيض ودوره ومؤسساته وشخصياته الرئيسية. وبالإضافة إلى الرئيس الذي سيكون جديدا هذه المرّة بحكم أنه تولّى فترتين رئاسيتين يسمح بهما الدستور الأميركي سيكون هناك أيضاً نائب جديد للرئيس.
وهذا المنصب في المؤسسة الرئاسية الأميركية هو بالتحديد موضوع كتاب«جويل ك.غولدستاين»، أستاذ القانون في جامعة «سانت لويس» الأميركية والمختص بالرئاسة الأميركية وتاريخها منذ التأسيس حتى الحقبة الحاضرة. يحمل الكتاب عنوان «نيابة الرئاسة في البيت الأبيض». ويدرس المؤلف فيه ما يسميه «طريق الأهمية. من مونديل إلى بايدن».
ويبدأ المؤلف بتقديم نوع من التعريف بالمسار التاريخي التطوري الذي عرفه منصب نائب رئيس الولايات المتحدة و«الدور» الذي حدده له الدستور. والإشارة أنه، كما يتم توصيفه، هو المؤهّل الأول لتولي المنصب الرئاسي إذا شغر هذا المنصب بسبب وفاة الرئيس أو منعته حالته الصحيّة من ممارسة مهام منصبه أو استقال أو جرى «عزله» من قبل القضاء، لأسباب تتعلّق بسلوكه ويحددها الدستور بوضوح.
و«مونديل» المشار له في عنوان الكتاب هو «والتر فريدريك مونديل» الذي يعتبره مؤلف الكتاب بمثابة شخصيّة «استثنائية» في الحزب الديمقراطي الأميركي. وكان قد رفض في مرّة أولى، عام 1972، منصب «نائب الرئيس» ثم قبله حيث جرى انتخابه فيه إلى جانب الرئيس الأميركي الأسبق «جيمي كارتر».
وجوي بايدن، هو نائب الرئيس الأميركي الحالي »باراك اوباما«. ومؤلف هذا الكتاب يقدّم لقارئه على مدى فصوله توصيفا وتحليلا لنمط العلاقة التي قامت بين نواب الرؤساء الأميركيين و»رؤسائهم«. ذلك مع محاولة تبيين أشكال»الاستمرارية« و »نقاط التمايز« و »أنماط السلوك« في قمّة المؤسسة الرئاسية لدى مختلف الإدارات الأميركية منذ عام 1976 حتى الوقت الراهن.
وبهذا المعنى يركّز المؤلف دراسته على الشخصيات »الست« التي تولّت منصب نائب الرئيس منذ »مونديل وجتى جوي بايدن«. والخط الناظم الرئيس للتحليلات المقدّمة يتمثّل في تبيين الكيفية التي »عمل فيها المسؤول الثاني ــ نائب الرئيس ــ في قمّة الدولة في إطار تعاون وثيق مع المسؤول الأول عن إدارة الدولة ــ الرئيس«.
ويجد المؤلف ترجمة ذلك التعاون الوثيق باكتساب نائب الرئيس ــ على عكس ما كان عليه الأمر سابقا ــ دور »مستشار رئاسي يحظى بقدر كبير من التمثيل والمصداقية«. والتأكيد أيضا في هذا السياق أنه اعتبارا من تجربة»مونديل« كنائب للرئيس وما اكتسبه من دور فاعل غدا الترشيح للمنصب ذا أهمية سياسية »ظهرت بوضوح في الحملات الانتخابية«.
ولعلّ من أهم »النعوت« التي يطلقها المؤلف على »مونديل« أنه لعب دورا أساسيا في تدشين مفهوم »نيابة الرئاسة الحديثة« في الولايات المتحدة الأميركية. ويؤكّد المؤلف أن نوّاب الرؤساء الذين أعقبوا مونديل من »جورج بوش ــ الأب ــ حتى جوي بايدن ومرورا بدان كايل وآل غور وديك شيني لعبوا نفس الدور«.
ويبيّن المؤلف كيف أن »جوي بايدن« أراد أن يكون»آخر شخص يخرج من القاعة«، كما ينقل المؤلف عنه. ويشير أن علاقته القريبة مع اوباما سمحت له بتقديم »النصائح« حول العديد من الملفات والمواضيع التي لم يكن متاحا لأي شخص آخر في الإدارة الخوض بها. وكانت مهمة بايدن الأخيرة إلى العراق بمثابة التأكيد على الدور الذي أُعطي له على صعيد تعزيز العلاقات الدبلوماسية لأميركا مع »مناطق مهمّة لها في العالم«، كما يشير المؤلف.
ومما يشار له أن أول نائب رئيس للولايات المتحدة »جون ادامس« خلال سنوات 1789 ــ 1797 بقي طيلة فترتين رئاسيتين مقيما في ولاية مازاشوستا ولم يكن يأتي إلى واشنطن إلا عند الضرورة القصوى. ومما يتم نقله عنه قوله» أنا لست شيئا ولكنني استطيع أن أفعل كل شيء«. وكان هو نفسه قد أصبح رئيسا عام 1797 وكان نائبه »توماس جيفرسون« الذي غدا فيما بعد رئيسا بدوره.
ويبيّن المؤلف أن اختياره لـ» والتر فريدريك مونديل« كنقطة انطلاق لتحليلاته لدوره ومكانته كنائب للرئيس في المؤسسة الرئاسية الأميركية يعود إلى أنه أعطى لمنصبه كنائب للرئيس، خلال سنوات 1977 ـ 1981 في ظل رئاسة »جيمي كارتر«، أهمية كبيرة.
ذلك عبر تشكيل نوع من الثنائي الرئاسي »كارتر ــ مونديل« فريقا للعمل يتسم بقدر كبير من »التجديد والتماسك«. وكان باستطاعة مونديل أن يرى الرئيس كارتر متى شاء ذلك ،كما يشير المؤلف. ويضيف أن الرئيس كارتر »شارك مونديل بالكثير من المعلومات الحيوية«.
ومن السمات الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف في آلية عمل كارتر ــ مونديل هو أن نائب الرئيس غدا بمثابة »مستشار حقيقي« وقريب بحيث جرى تكليفه بالعديد من المهمّات الكبيرة والدقيقة. ويشير المؤلف أن ذلك الثنائي الرئاسي استفاد كثيرا من مختلف التجارب السابقة بحيث أن البحث في مكانة ودور »نائب الرئيس« غدا بمثابة نوع من التأريخ لتطوّر النظام السياسي الأميركي خلال مساره التاريخي كلّه.
من النتائج الأساسية التي يخرج بها مؤلف هذا الكتاب فيما يتعلّق بالفترة التي يدرسها، أن نوّاب الرؤساء الأميركيين الستة الأخيرين ــ منذ والتر مونديل ــ قاموا في الواقع العملي بـ»تحويل« منصب نيابة الرئاسة من »مكتب هامشي ودور هامشي« إلى »شراكة قويّة مع رؤسائهم«. وبهذا المعنى ساهم نوّاب الرؤساء المعنيون بتدشين»طريق الأهميّة، من مونديل إلى بايدن«، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
ويشير مؤلف هذا الكتاب الى أن دور نائب رئيس الولايات المتحدة كان »شكليا وشرفيا« في التاريخ الأميركي حتى رئاسة جيمي كارتر في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي. ويترأس نائب الرئيس دستوريا مجلس شيوخ الولايات المتحدة الأميركية. لكن دون أن يمنحه ذلك سوى النذر القليل من السلطة فيما يتعلّق بشؤون الدولة. ويشرح المؤلف في هذا الكتاب كيف أن مثل هذه الصورّة تبدّلت كثيرا منذ تولي »والتر مونديل« منصب نائب الرئيس كارتر».
المؤلف في سطور
جويل ك. غولدستاين. استاذ القانون في جامعة سان لويس الأميركية. وحائز على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة أكسفورد. خبير شهير بالدراسات حول منصب «نائب الرئيس» و«التعاقب على الرئاسة» و«القانون الدستوري» في الولايات المتحدة الأميركية.
من مؤلفاته العديدة:نيابة الرئاسة الأميركية الحديثة: تحوّل مؤسسة سياسية والتغيير الدستوري والتوجّه المتفرّد ونيابة الرئاسة...الخ.
الكتاب:
نيابة الرئاسة في البيت الأبيض..
طريق الأهميّة، من مونديل إلى بايدن
تأليف:
جويل ك. غولدستاين
الناشر:
جامعة كنساس ــ 2016
الصفحات:
432 صفحة
القطع:
المتوسط
The White House vice Presidency
Joel K. Goldstein
Kansas University Press -- 2016
432 PP

