يكتسي الاقتصاد أهمية استثنائية في اهتمامات البشر عموماً والباحثين المختصين بشكل خاص، ذلك على اعتبار أنه المحرك الرئيس في تطور المجتمعات والدول ومستقبلها. وبعد انهيار جدار برلين والسقوط الذي عرفته المنظومة الاشتراكية ومعها الاهتزاز الكبير لمفاهيم الاقتصاد المخطط ــ الاشتراكي ــ ساد «اقتصاد السوق» باعتباره النموذج ــ الموديل ــ الظافر.
وفي مثل هذا السياق يقدم «جان تيرول»، الاقتصادي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2014 وصاحب العديد من المسؤوليات في مؤسسات اقتصادية رفيعة، كتاباً يشرح فيه المفاهيم الاقتصادية الأساسية للجمهور العريض من القراء. يحمل الكتاب عنوان: «اقتصاد الشأن العام».
ويدافع مؤلف هذا الكتاب عن رؤية محددة للاقتصاد تكمن في اعتباره «علماً يجمع بين النظرية والوقائع في خدمة الصالح العام». وبناء على مثل هذا التعريف يحدد دور رجل الاقتصاد في أنه «باحث» من جهة و«إنسان فاعل في الواقع»، من جهة أخرى. ذلك بالتعارض مع النظريات التي تصف الإنسان أنه مجرد «كائن اقتصادي»، فهو أيضاً بالإضافة إلى ذلك «إنسان بسيكولوجي واجتماعي وكيان قانوني».
ويبدأ المؤلف بطرح أسئلة من نوع: في أي مجتمع تفضلون العيش مهما كنتم، رجل أو امرأة أو في صحة سليمة أو معتلة أو فقراء أو أغنياء أو أصحاب ثقافة أو تفتقرون لها أو من هذه المنطقة أو تلك؟
ولا يتردد في إخطار القارئ منذ البداية أن الخوض في المجال الاقتصادي وولوج مسالكه ليس «رحلة سهلة»، بل يتطلب قدراً كبيراً من الجهد. يكتب: «من السهولة أكثر مشاهدة فيلم أو قراءة رواية بوليسية من الانكباب على قراءة كتاب في الاقتصاد». والإشارة مباشرة، مع ذلك، أن «المغامرة تستحق بذل الجهد».
المواضيع التي يتطرق لها المؤلف على مدى السبعة عشر فصلاً التي يتألف منها الكتاب تطال مختلف اهتمامات البشر في حياتهم اليومية كما تناقش الرهانات الاجتماعية ــ الاقتصادية الكبرى. ذلك بعيداً عن «الأحكام المسبقة والمواقف الإيديولوجية الجاهزة».
هكذا يبحث في أحد الفصول «الاقتصاد الرقمي» الذي أحدث خلال عقود قليلة من التطور والتبدل قدراً لم تعرفه الإنسانية على مدى تاريخها الطويل. والتأكيد أن التكنولوجيات الرقمية رسخت مواقعها في الاقتصاد وأن تحولاً كبيراً وعميقاً سيطال جميع المهن. هذا في الوقت الذي يؤكد فيه أن «جهاز التكوين والتدريب المهني في بلد مثل فرنسا ليس مؤهلاً لمواجهة مثل ذلك التحول». وفي جميع الحالات يصدر المؤلف حكماً في غاية القسوة حيال فرنسا اليوم فيما يتعلق بـ «البطالة» و«اتخاذ القرارات الاستباقية في مجال الميزانية» و«تنظيم العمل»...الخ.
إن المؤلف، ومن خلال تقديم رؤية شاملة «بانورامية» لمختلف المسائل المطروحة على الاقتصاد وعلى أصحاب القرار في العالم اليوم، يستعرض بالوقت نفسه جملة من النظريات التي كان أحد المساهمين الأساسيين في صياغتها. وهو يولي اهتمامه بشكل خاص إلى النظريات الخاصة بـ «كيفية إدارة المؤسسات» و«الفقاعات المالية» و«التمويل والأسواق»...الخ.
هكذا مثلاً يشير إلى أن ظواهر خطيرة متفشية في فرنسا وفي العديد من البلدان الرأسمالية تعود إلى النمط المجتمعي الذي تم اختياره أكثر مما تعود، كما يقال ويكرر، لانحرافات الأسواق المالية وسيطرتها على الاقتصاد. ويقترح المؤلف في هذا المجال ضرورة تغيير السياسات السارية باتجاه «تخفيف تعويضات العطالة عن العمل وتخفيف الأعباء المترتبة على الشركات».
ومن المقولات التي يؤكد عليها «جان تيرول» أنه أمام عجز الأسواق «ينبغي عدم الغضب» بل بالأحرى «التأمل والتفكير» بكيفية إيجاد «النماذج» أو «الصيغ الرياضية» التي تسمح بتبني منطق حازم.
والتأكيد على ضرورة أن يؤخذ بالاعتبار واقع أن «اقتصاد السوق» هو النموذج السائد، بل والوحيد الذي يتولى مهمة «تنظيم المجتمعات الغربية عموما»، في عالم اليوم. ذلك بعد «الفشل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والبيئي للاقتصاد المخطط»، بمعنى «الاشتراكي» الذي تتولى فيه الدولة تحديد السياسات الاقتصادية ولا تترك أي هامش لعمل الشركات والمؤسسات الخاصة.
لكن هذا لا يعني أنه ينبغي تطبيق منطق السوق في جميع المسائل. مثلا يرفض المؤلف فكرة تقديم مقابل مادي للمتبرعين بالدم. ذلك «ليس بدوافع أخلاقية» ولكن كون أن «ربط الهبات بدوافع مالية ليس خطأ أخلاقياً ولكن خطأ اقتصادي». فذلك يجر «نقص الفعالية». والكرَم عندما يغدو «فعل مالي» تتدهور قيمته وبالتالي فعاليته.
بهذا المعنى يرى «جان تيرول» أن الاقتصاد «علم ليس مثيراً للفجيعة وليس علماً دقيقاً، ولكنه علم إنساني بامتياز». ومن الميزات الأساسية لتي يؤكد عليها بالنسبة للاقتصاد «أن يكون مفيداً» على صعيد الواقع العملي. ويقوم في هذا السياق بتشبيه الاقتصاد بالطب. ذلك من حيث أنه «يتطلع إلى القيام بعمليات تشخيص ثم يوصي باتباع علاج».
ومن المهام التي يرى المؤلف أن واجب الاقتصاديين هو القيام بها على أكمل صورة وفي مواجهة جميع الأوضاع يحدد «قياس واقع الأمور المطروحة» من أجل رسم صورة عيانية لذلك الواقع كما هو بجميع معطياته. و«فهم تلك الأمور» من أجل الإلمام الكامل بآليات عملها وأسبابها القريبة والبعيدة والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها. وألا يغيب في مجمل الأحوال «الربط بين الصالح الخاص والصالح العام».
ويرى من المهام أيضاً «اقتراح التوجهات الممكنة» التي يمكن أن تساهم في إيجاد الحلول للخروج من الأزمات إذا كانت قد انفجرت والوقاية منها إذا كانت بطور التشكل. والتركيز في هذا الإطار على القول أن الاقتصاديين لم يقوموا بدورهم الأساسي والرئيسي الخاص بترقب قدوم الأزمة التي انطلقت في الولايات المتحدة في خريف عام 2008.
وكتاب يشرح فيه مؤلفه المفاهيم الاقتصادية الأساسية وترجمتها في الواقع المعاش. هذا في مرحلة جديدة انتصر فيها اقتصاد السوق، لكن «السلطات السياسية ــ في «العالم الحر»ــ فقدت من سلطتها لصالح السوق والقوى الفاعلة الجديدة». بالتوازي مع بروز«عالم بلا شفقة وتراخي الرابطة الاجتماعية والقيم الخاصة بالكرامة الإنسانية وغياب الاهتمام بمستقبل الأجيال القادمة»، كما نقرأ.
المؤلف في سطور
جان تيرول، اقتصادي فرنسي، حائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2014. وصفته الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم أنه «أحد أكثر الاقتصاديين نفوذاً في الحقبة الراهنة».
من مؤلفاته «نظرية التنظيم الاقتصادي» و«الأزمات المالية: السيولة والنظام النقدي الدولي»...الخ.
الواقع... والنظرية
يحدد المؤلف ــ الاقتصادي صاحب جائزة نوبل عدة مهام يرى أنه من واجب الباحثين الاقتصاديين العمل على تحقيقها، ذلك على ضوء أن دور الباحث الاقتصادي ينبغي أن يكون هو العمل «واقعياً» من أجل عالم أفضل على مستوى معيشة البشر المعنيين، وبالتوازي مع العمل «نظرياً» من أجل «دفع المعرفة إلى الأمام».
الكتاب:
اقتصاد الشأن العام.
تأليف:
جان تيرول
الناشر:
المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس ــ 2016
الصفحات:
550 صفحة
القطع:
المتوسط
Economie du bien commun
Jean Tirol
P U F
Paris -2016
550 PP

