مرت العلاقات الروسية- الأوروبية عامة والروسية- البريطانية خاصة بمراحل توتر، إلى هذه الدرجة أو تلك. وليست قليلة هي حالات اللجوء إلى العملاء والجواسيس في هذا الاتجاه أو ذاك التي كان مسرحها موسكو أو لندن. وكان من آخرها وأبرزها قصة قتل المعارض الروسي الكسندر ليتفينينكو، الذي كان قد هرب من بلاده وطلب اللجوء إلى المملكة المتحدة بريطانيا قبل حصوله على جنسيتها.
عملية القتل كانت بواسطة جرعة من السم وهي موضوع كتاب صدر مؤخراً في بريطانيا وعرف رواجاً كبيراً لمؤلفه لوك هاردينغ، الصحافي البريطاني الذي عمل مراسلاً لصحيفة الغارديان اللندنية في العديد من بلدان العالم من بينها العراق وليبيا وأفغانستان. كما كان قد مارس مهنته في روسيا منذ عام 2007 وحتى عام 2011، حيث تم طرده منها.
يبدأ المؤلف بسرد أحداث عملية دس السم للضحية الكسندر ليتفينينكو الروسي من قبل روسي آخر، وبمساعدة روسي ثالث، مشيراً إلى أنها جرت في حانة أحد فنادق العاصمة البريطانية لندن«ميلينيوم هوتيل» في حي «مايفير». ويحدد القول إن السلاح المستخدم في العملية هو مادة «البولونيوم 210» المشعة التي تتفرد روسيا بتصنيعها في العالم، كما أثبتت تحقيقات الشرطة البريطانية بشكل قاطع.
كذلك يتم تحديد القول أن القوة الإشعاعية لهذه المادة هي أكبر بـ«400 مرة» من القدرة الإشعاعية لمادة اليورانيوم، وبالتالي لا يمكن إنتاجها بكميات تتطلبها مثل تلك العملية إلا في مفاعل نووي روسي واحد هو مفاعل «ساروف». وبالتالي لا يمكن أن يقوم بإنتاجها بـ«الجرعة الضرورية المطلوبة سوى دولة أو مؤسسة تابعة لدولة»، كما ينقل المؤلف عن السفير البريطاني في موسكو عند مطالبته بتسليم «لوغوفوا» وشريكه في العملية «ديمتري كوفتون» للقضاء البريطاني.
بهذا المعنى كانت «الجريمة كاملة تقريباً»، لكن التحاليل الطبية كشفت عن وجود آثار لمادة «البولونيوم 210» في إفرازات الضحية بعد عملية بحث مضنية وواسعة. هذا خاصة أن المادة السامة المعنية كانت عصية على الكشف من قبل التكنولوجيات المتوفرة آنذاك، لكن لم تعد كذلك الآن. أما القاتل فهو المدعو «اندريه لوغوفوا»، عنصر الاستخبارات الروسية، حيث ساعده بالتحضير لارتكابها «ديمتري كوفتون».
يشير المؤلف إلى أن الرجلين، ليتفينينكو ولوغوفوا، كانا في الظاهر يعملان معاً للتحقيق في ما يتعلق بأعمال منظمات المافيا الروسية في مجال«تبييض الأموال» في أوروبا. والإشارة إلى أنه لم يكن يخامر «ليتفينينكو» أي شك أن «لوغوفوا» يترصد الفرص لدس السم له وأنه يعمل لصالح أعدائه وليس حليفاً له حيث إنه في الواقع يعمل لحساب أولئك الذين كان يُفترض أنه يحقق للكشف عن أفعالهم.
يشير المؤلف إلى أن ليتفينينكو كان على يقين كبير أنه عندما طلب اللجوء إلى أحد بلدان «العالم الحر» ثم حصل على جنسيته «البريطانية» بأن ذلك سيوفر له الحماية والأمن، لكنه فهم أنه أخطا في حساباته عندما أدرك من موقع رجل الاستخبارات السابق أن الأعراض التي بدأت بالظهور على جسده من تساقط الشعر وصعوبة الكلام واصفرار لون بشرة الجلد تدل أنه قد «أصيب في مقتل».
ومما ينقله المؤلف من تصريحات «ليفتينينكو» أنه قال لمحققين من جهاز «سكوتلانديار» قدموا للمستشفى الذي كان يرقد فيه لسماع أقواله ما مفاده «أفهم جيداً أن الغرب يريد أن يحصل على البترول والغاز من روسيا، لكن لا ينبغي الانخراط في السياسة إذا لم تكن هناك قناعات. والقناعات لا يمكن مبادلتها بالبترول والغاز. عندما يقوم رجل أعمال بعمل تجاري فإنه يفعل ذلك بماله، لكن عندما يقوم سياسي بعمل تجاري فإنه يفعل ذلك على حساب سيادة بلاده ومستقبل أطفاله».
ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن «ليتفينينكو» جهد أثناء التحقيقات للحصول على دعم الشرطة البريطانية لقضيته وفي الكشف عن الجناة عليه. وهو ينقل بالمقابل من أقواله التي تم السماح بإعلانها مؤخراً ما مفاده: «لقد حصلت على الجنسية البريطانية قبل شهر من الزمن وأكن الكثير من الحب لبريطانيا. ربما سأرحل قريباً ولكنني سوف أرحل وأنا إنسان حر. وزوجتي وولدي هما حران أيضاً، وبريطانيا هي بالفعل بلاد عظيمة». يشير المؤلف إلى أن «الكسندر ليتفينينكو» توفي بعد أربعة أيام من ذلك التصريح، أي بتاريخ 23 نوفمبر من عام 2006.
ويشير إلى أن وزارة الخارجية البريطانية طلبت مراراً وتكراراً من «مارينا»، أرملة الضحية، أن تلزم الصمت كي لا تؤثر على سير المفاوضات التي كانت جارية «سراً» مع موسكو لتسليم القاتلين «دون جدوى» حتى عام 2010. ذلك أنه بدلاً من تسليم «لوغوفوا» جرى انتخابه عضوا في مجلس «الدوما» أي البرلمان الروسي «على قائمة الحزب اللبرالي الديمقراطي، اليميني المتطرف.
وفي عام 2010 وصل دافيد كاميرون إلى رئاسة الحكومة البريطانية، حيث تبنى مبدأ في السياسة الخارجية جوهره «زيادة المبيعات البريطانية للعالم الخارجي» في منظور تحول لندن إلى«عاصمة مالية للعالم». والرسالة الاستراتيجية التي تضمنتها سياسة كاميرون هي أن بريطانيا مستعدة لإبرام صفقات مع جميع الذين يرغبون ذلك، كما يشرح المؤلف، ويرى أن ترجمة مثل ذلك التوجه كانت بالنسبة للحكومة هي العمل على طي قضية ليتفينينكو.
أما الهدف الأهم فقد كان جذب أموال الآخرين لتغذية النمو الاقتصادي البريطاني. وفي عداد ذلك الأموال الروسية واستقدام رجال الأعمال الروس، الذين يشترون مساكن في لندن والمناطق المحيطة بها ويسجلون أبناءهم في المدارس الخاصة البريطانية ويتسوقون من مخازن هارودز.
يكتب لوك هاردينغ بصدد قضية ليتفينينكو في عهد كاميرون ما مفاده:» بالتأكيد كانت بريطانيا تطلب باستمرار تسليمها لوغوفوا وكوفتون، لكن كان يمكن بنظر كاميرون التغلب على الخلافات الثنائية التي ينبغي ألا تمنعنا- على حد قوله- من التعاون في ميادين أخرى، خاصة التجارة.
وكتاب عن جريمة، ولكن عبرها عن السياسات البريطانية عموماً في السنوات الأخيرة، وعن العلاقات الروسية- البريطانية خصوصاً.
إن مؤلف هذا الكتاب، وفي ما هو أبعد من الاهتمام بالأحداث التي رافقت عملية القتل بالسم من قبل عنصرين كانا يعملان في جهاز الاستخبارات الروسي «اف سي بي» للمعارض الروسي ليتفينينكو، الذي كان سابقاً أحد عناصر جهاز الاستخبارات السوفييتي الشهير«كا جي بي» واستمر في العمل مع الجهاز الروسي الحالي، يشرح آليات عمل الأجهزة المعنية على الطرفين ودورها في العلاقات الروسية- الغربية بصورة عامة.
المؤلف في سطور
لوك هاردينغ. صحافي بريطاني عمل مراسلاً لصحيفة «الغارديان» اللندنية في العديد من مناطق العالم وخاصة في العراق وليبيا وأفغانستان. كما عمل في روسيا منذ عام 2007 وحتى طرده منها عام 2011. سبق له وقدم كتاباً عن «الدولة المافيوزية» الذي كرسه لروسيا بوتين.
الكتاب: سم غالي الثمن جداً.
تأليف: لوك هاردينغ
الناشر:فابر اند فابر ــ لندن ــ 2016
الصفحات:
424 صفحة
القطع: المتوسط
A very expensive poison
Luke Harding
Faber and Faber
London - 2016
424 PP

