تسود في العالم حالة من القلق العام في وقت تتعاظم فيه النزاعات في عدد من المناطق وتتتالى فيه الاعتداءات والتفجيرات التي يذهب ضحيتها عشرات الأبرياء.
هذه الحالة هي التي يتعرّض لتوصيفها ولأنماط الردّ عليها عبد النور بيدار، حامل شهادة الدكتوراه وشهادة التأهيل العليا «أغريغاسيون» في الفلسفة ومؤلف العديد من الكتب التي دعا فيها جميعها للتآخي والتآلف بين مختلف الحضارات والمعتقدات، في عمله الأخير. يحمل هذا العمل عنواناً رئيسياً هو «النسّاجون»، وما يجد توضيح القصد منه في العنوان الفرعي ومفاده «معاً من أجل إصلاح النسيج الممزق للعالم».
يبدأ المؤلف كتابه بالجملة التالية: «لم تولِ وسائل إعلامنا المشكلة ما تستحق من اهتمام». ويقصد بذلك وجود ظاهرة «غير مرئية» من قبل عالم السياسة ومن وسائل الإعلام في البلدان الغربية عموما. وتتمثّل هذه الظاهرة بالعمل الهادئ والبطيء الذي تقوم به مجموعات صغيرة متفرّقة من البشر بغية المساهمة على مختلف مستوياتها بـ«إصلاح النسيج الممزّق للعالم».
يشرع المؤلف بداية بتوصيف الكثير من المسالب التي يعاني منها النظام العالمي السائد وما نتج عنه من توترات. الأمر الذي تعبّر عنه بوضوح الأزمات الخطيرة «السياسية والمناخية والروحانية» التي يعاني منها العالم في السياق الراهن. وما يجد ترجمته في تعاظم ظاهرة التطرّف والتزمّت وما ينتجه ذلك من عنف «أعمى».
ويصل عبد النور بيدار إلى التأكيد أنه أمام مختلف أشكال الكآبة المحيطة هناك أفواج من أولئك الذين يطلق عليهم توصيف «النسّاجين» المغمورين الذين يعملون في جميع الميادين من أجل تحقيق الهدف المشترك المتمثّل في «إصلاح نسيج العالم الممزّق» و«من أجل بناء عالم الغد» الأكثر إنسانية وتآخيا بين البشر.
وعلى مدى صفحات هذا الكتاب يشرح المؤلف وجود بوادر في المجتمعات الغربية الاستهلاكية لتشكّل نمط من «الثقافة الجديدة» التي تقوم على «ترميم نوعية الروابط المقطوعة بين البشر». ويفسّر ذلك بإحياء «رابطة الاستماع للآخر واحترام الذات واحترام الآخر.
رابطة التضامن والأخوّة مع الآخر ورابطة التواؤم مع الطبيعة وصيانتها». والتركيز على ضرورة تطبيق ذلك على جميع المستويات الروحانية والاجتماعية والبيئية وبحيث يوحّد المعنيون جهودهم من أجل ذلك.
ويحدد المؤلف القول إن «النسّاجين» المعنيين يعكسون في واقع الأمر «ميلاً تعرفه المجتمعات الغربية خاصّة والحديثة عموماً» وتمثّله مجموعة من البشر الذين «يلتزمون بقناعة» بضرورة أن يسلكوا «نهجا جديدا» في طريقة العيش والاستهلاك والشراء والعمل وغير ذلك من السلوكيات.
هؤلاء «النسّاجون» هم «أنا وأنت ونحن». أي بشكل عام أولئك الذين يعملون على «رأب التصدعات» التي تبرز هنا وهناك والتي تلقي بظلالها على نسيج العالم الممزّق أصلاً. ويحدد المؤلف تلك التصدعات بمجموعة من الأحداث والسياقات والممارسات ذات العلاقة بـ«الشروخ الاجتماعية» و«النزاعات العقائدية» و«الحروب الاقتصادية» و«الطلاق بين الإنسان والطبيعة»...الخ.
ويؤكّد المؤلف على ضرورة تعميق وتعزيز «رابطة ثلاثية الأبعاد». ويقصد بذلك «مع الذات» و«مع الآخرين» و«مع الطبيعة».
وعلى صعيد ترجمة عملهم في الواقع يشير عبد النور بيدار بالنسبة للحالة العيانية القائمة في بلد مثل فرنسا اليوم على ضرورة إقامة علاقات «مجتمعية» جوهرها الثقة. ذلك «عبر النقاشات المتجددة» بين الجالية المغربية أو التركية أو غيرهما وبين الفرنسيين بمختلف فئاتهم الاجتماعية. الخط الناظم الأكبر لذلك يحدده المؤلف بـ«الالتزام بأخلاقيات المشاركة وبثقافتها».
ما يؤكّده بيدار بهذا الصدد خاصّة هو «أننا جميعاً ورثة ثقافات أكّدت باستمرار على أهمية تعزيز الروابط بين البشر». ويشرح أن إرث الماضي جعل من «الروابط الاجتماعية» وتقاليده الروحانية دعوة مستمرّة لـ«الانفتاح على الآخر».
يوجه مؤلف هذا الكتاب النقد الشديد بأشكال متعددة لـ«المجتمعات الفردية الأنانية».
ينتقد بيدار في نفس السياق ما يسميه «القيم المادية» التي تفرض على المعنيين بها «عدم الإنصات لنداءات الذات الداخلية». وفي المحصّلة تبعدهم عن «الربط بين الأنا الاجتماعية والأنا العميقة، الداخلية».
ويؤكّد بالمقابل على أهميّة الاعتقاد المتسامح البعيد عن التزمّت والتعصّب. ذلك أن مثل هذا الاعتقاد يمثّل السبيل إلى «العدالة والحقيقة والخير».
الرسالة الجوهرية التي تتردد في هذا العمل تكمن في ضرورة تعزيز الروابط التي «تجعلنا بعيدين عن الغرغرينا، التي يمثّلها التعصّب والتطرّف». وبناء الثقافة التي «تُصلح» في مواجهة شروخ العالم تثيرها «التصدعات الاجتماعية والحروب الثقافية».
عالم الغد
«النسّاجون» الذين يعنيهم المؤلّف هم أولئك الذين يعملون كي لا تسود ثقافة العنف والحقد ونبذ الآخر، وصولاً في بعض الأحيان إلى إلغاء حقه في الحياة. بالمقابل يعملون لإحياء نزعة إنسانية «قابلة للاقتسام بين البشر بلا حدود». باختصار يشرح عبد النور بيدار أن هؤلاء «النسّاجين» هم الذين ينبغي أن يساهموا، في مختلف المواقع والحضارات والمعتقدات، من أجل بناء «عالم الغد».
المؤلف في سطور
عبد النور بيدار، مؤلف هذا الكتاب، حائز شهادة الدكتوراه وشهادة التأهيل العليا في الفلسفة. مختص بالدراسات الإسلامية حيث كرّس أطروحته لنيل الدكتوراه لأعمال الفيلسوف الهندي المسلم محمّد إقبال. يساهم بنشاط بالكتابة والنقاشات حول مسائل الحوار والتآخي بين الحضارات والمعتقدات.
من مؤلفاته: «تاريخ النزعة الإنسانية في الغرب» و«دفاعاً عن التآخي» و«رسالة مفتوحة إلى العالم الإسلامي»...الخ.
الكتاب: النسّاجون..
معاً من أجل إصلاح النسيج الممزق للعالم
تأليف: عبد النور بيدار
الناشر: لي ليان كي ليبير
الصفحات:
192 صفحة
القطع: المتوسط
Les tisserands
Abdennour Bidar
Les Liens Qui Liberent
Paris - 2016
192 PP
