نشرت صحيفة «المساء ــ لوسوار» الصادرة في العاصمة البلجيكية بروكسل، في فترة سابقة قريبة، مجموعة إحصائيات تقديرية أميركية وبريطانية وبلجيكية وفرنسية تصب جميعها في القول إن بلجيكا وبريطانيا وبولندة وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية وعدد من البلدان المتقدّمة الأخرى، معرّضة لفقدان نسبة تتراوح بين 43 بالمائة و50 بالمائة من فرص العمل فيها خلال فترة ما بين 10 و15 سنة قادمة. مثل هذه التوقعات تكررت في العديد من وسائل الإعلام الأخرى.
وتحت عنوان «المجتمع الآلي ــ الأوتوماتيكي» يدرس الفيلسوف والكاتب الفرنسي برنار ستيغلر مدير معهد «البحث والتجديد» الذي أنشأه في «مركز جورج بومبيدو بباريس» وصاحب كتاب «الزمن والتقنية»، في عمل جديد ما يصفه بـ «مستقبل العمل»، كما جاء في عنوانه الفرعي.
يقوم المؤلف بعملية تقديم لمستقبل العمل بنوع من رسم مساره تطور مفاهيمه منذ اليونان القديمة، حيث كانوا «يفضلون الفلسفة والسياسة» على العمل اليدوي الذي كان يعني آنذاك «اختزال الإنسان إلى مجرّد ضرورة مادية» إلى الحقبة الحالية، حيث غدا العمل «ضرورة حيوية للعيش» بالنسبة لأغلبية البشر. وذلك مروراً بتعريفات مختلفة ليس أقلّها شهرة تلك التي رأت في العمل «مصدراً للاغتراب».. الخ.
من الأفكار الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف في هذا الكتاب أن «تطورا كبيرا» قد استجدّ مع الثورة الرقمية على مسألة العلاقة بين «العمل والتقنية». ويشير إلى أن المرحلة الحالية تتسم بنوع من التوجّه نحو قدر أكبر من «الاستقلال الذاتي» للتقنية عن العمل. وبالتالي يبرز «التهديد بقطع الروابط بينهما». وبالتوازي مع ذلك بروز «مفهوم تقني للعالم».
وفي سياق هذا المفهوم «التقني للعالم» يستعير المؤلف مفهوماً تمّ استخدامه منذ سنوات لتوصيف «فترة من تاريخ الأرض بدأت مع تأثير النشاطات الإنسانية مع وصول العصر الصناعي ــ التقني بشكل عام وهام على المنظومة البيئية للأرض». ويرى أن تلك «الرؤية التقنية للعالم» تزامنت مع بروز المفاهيم الرأسمالية على الصعيد الاقتصادي.
ويستخدم المؤلف من أجل توصيف دور التكنولوجيا بشكل عام تعبيرا كان مستخدما لدى اليونانيين القدماء هو «فلارماكان».. وما كان يعني بالوقت نفسه «السمّ» و«البلسم». هذا بمعنى أن ثمرات التكنولوجيا تساهم، إلى جانب الخدمات الكبرى التي تقدمها، في «تسميم أنماط الحياة التي نعيشها».
أمّا الأدوات الأساسية التي تغلغلت فيها الثورة الرقمية إلى مختلف المشارب والقطاعات من النشاط الإنساني فيتمّ تحديدها في «شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل التواصل المباشر وفتح إمكانيات الحساب لكمّ كبير من المعطيات بواسطة الحواسيب ذات الطاقات الهائلة والروبوت المختلفة... وغير ذلك من الثمرات التي أنتجتها الثورة الرقمية».
ويؤكّد مؤلف هذا الكتاب على ضرورة فتح نقاش جدّي من قبل فرنسا ومختلف بلدان أوروبا حيال المستقبل، وقبل كل شيء «مستقبل العمل» الذي تربط فيه مصائر ملايين من البشر في البلدان المعنيّة.
يشرح برنار ستيغلر أن الكثير من رجال السياسة في الغرب اليوم يكيلون الوعود أن «البطالة هي بصدد الاندحار ثمّ الهزيمة». ولا يتردد في التأكيد أن هذا القول يمثل «وهماً» كبيراً. ذلك أن العودة إلى خلق فرص العمل تماشيا مع مبادئ الرأسمالية «تتناقض» مع واقع أن «زحف التكنولوجيا الرقمية إلى أسواق العمل» يؤدّي إلى «فقدان أعداد كبيرة من البشر لأعمالهم».
ويستعيد المؤلف لحسابه مقولة كان رددها بيل غيتس في واشنطن بتاريخ 13 مارس من عام 2014 : «مع تعميم استخدام أجهزة الروبوت بكل أنواعها ستتناقص كثيرا فرص العمل خلال ال20 سنة القادمة. وإلى درجة أن ذلك سيخلق وضعا استثنائيا».
وينقل المؤلف في السياق عن دراسة فرنسية تعود لشهر أكتوبر من عام 2014، نشرتها صحيفة «جورنال دو ديمانش»، أنه «منذ الآن وحتى عام 2025 سوف يتم إلغاء ثلاثة ملايين فرصة عمل سيكون ضحاياها من الطبقة الوسطى والمهن الحرّة والمهن اليدوية الأخرى».
يقوم المؤلف في هذا السياق أيضا بالتذكير أن علامات بارزة في التاريخ الاقتصادي الحديث من أمثال جون مينار كنزي في ثلاثينات القرن الماضي ثم جورج فريدمان في الخمسينات وغيرهما ركّزوا على التأكيد، منذ عقود، على ضرورة إجراء «مراجعات اقتصادية وسياسية وثقافية جذرية».
في المحصّلة النهائية من التحليلات المقدّمة يصل المؤلف إلى القول انه «حانت ساعة القيام بتبدّل جذري» في المسارات السائدة في البلدان المتقدمة خاصّة. هذا مع محاولة رسم «الرهانات» التي تفرض مثل هذا التبدّل في «سياق استثنائي بكل وجوهه وتحدياته».
ويشرح المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب الآثار التي تترتب على هيمنة الثورة الرقمية وتكنولوجياتها على مختلف النشاطات الإنسانية من الحياة اليومية إلى الاقتصاد والسياسة وغيرهما من مشارب النشاط البشري. ويبيّن كيف أن «غزو الآلة لحياة الإنسان» هي بمثابة النتيجة الأساسية لما يطلقون عليه توصيف «اقتصاد الداتا» الذي اجتاح بـ«سرعة الضوء» مجالات العمل الإنساني.
المؤلف في سطور
برنار ستيغلر، فيلسوف وكاتب فرنسي. يتولّى منذ عام 2006 إدارة «معهد البحث والتجديد» الذي أسسه في إطار «مركز جورج بومبيدو للفن الحديث» بباريس. وهو رئيس «الجمعية الدولية من أجل سياسة صناعية للتكنولوجيات الحديثة».
من مؤلفاته «الزمن والتقنية» و«الحماقة والمعرفة في القرن الحادي والعشرين».
الكتاب: المجتمع الآلي ــ الأوتوماتيكي. مستقبل العمل
تأليف: برنار ستيغلر
الناشر: فايار-باريس ــ 2015
الصفحات:
300 صفحة
القطع: المتوسط
La société automatiqueSaskia Sassen
Bernard Stiegler
Fayard
Paris -2015
300 PP

