بتاريخ السابع عشر من شهر نوفمبر عام 2012 شرع صيادان، «القبطان خوسيه سلفادور الفارينغا» و«ازكورييل كوردوبا»، البحّار المبتدئ الشاب، برحلة صيد بحري لمدة يومين في المحيط الهادئ انطلاقاً من شواطئ المكسيك وبالتحديد من قرية «كوستا ازول» الصغيرة.
وفي ليلة ذلك اليوم هبّت على البحر عاصفة رهيبة يسميها صيّادو البحر في المكسيك بـ «عاصفة رياح الشمال القاتلة». لقد تقاذفت الأمواج العالية الهائجة المركب الصغير الجانح عندما كان المعنيان على بعد يزيد على ثمانين ميلا عن الشاطئ الذي انطلقوا منه.
هكذا وجد القبطان «خوسيه سلفادور الفارينغا» نفسه معزولاً في المحيط الهادئ وعلى بعد 6700 ميل من منزله. وعاش تجربة البقاء على قيد الحياة لمدّة 14 شهرا «تائها في البحر» عرف فيها من الأحداث ما يفوق تصورات الخيال الإنساني، حيث اقتات بالعصافير النيئة واصطاد الأسماك بيديه وشرب دمّ السلاحف. وكان الأكثر صعوبة هو الصراع ضد مشاعر اليأس التي كانت ترتاده بين الحين والآخر.
وكتاب «438 يوماً» يحكي قصّة تلك التجربة الاستثنائية. مؤلفه هو «جوناتان فرانكلين»، مراسل صحيفة الغارديان البريطانية في الشيلي، ومؤلف كتاب «33 رجلا» الذي روى فيه معاناة 33 رجلا من عمّال المناجم الشيليين في جوف الأرض بعد أن انهار منجمهم وهم في داخله ليتمّ إخراجهم بعد 33 يوما بعملية شاهدها العالم على شاشات التلفزة، مرحلة بعد أخرى. وفي الحالتين سمع القصّة من أصحابها.
كان البحّار «الفارينغا» قد قدم إلى المكسيك عام 2008 مغادرا السلفادور بعد مشاجرة كلّفته عدّة طعنات بالسكيّن وتحطّم عدد من عظام قفصه الصدري. لجأ بعدها إلى الفرار خوفا على حياته تاركا وراءه ابنته «فاتيما» وأهله. في المكسيك عمل بحّارا كي يؤمّن سبل عيشه.
ويروي «الفارينغا» أنه في ليلة العاصفة العاتية ناضل من أجل إعادة المركب إلى الشاطئ وكان على بعد 15 ميلا فقط عندما توقف المحرّك عن العمل. وكانت آخر الكلمات التي تبادلها عبر الراديو، قبل أن يصاب بالعطل أيضا، مع مالك القارب «ومع الأرض»هي من أجل «طلب النجدة».
كانت بداية الأحداث «الأكثر قسوة» في اليوم التالي للعاصفة عندما جرفت موجة «البحّار الشاب كوردوبا» إلى البحر ومعه الزاد من الأطعمة والمياه التي ضاعت كلّها بينما سحب القبطان البحّار الشاب من البحر من شعره. وعندما بلغت العاصفة أوج قوّتها اضطر البحاران إلى إلقاء صيدهما من الأسماك ــ حوالي نصف طن ــ في البحر لتخفيف الحمولة.
وفي المحصلة لم يبق لديهما من كل ما كان بحوزتهما وفي القارب من أعتدة وتجهيزات سوى «سكين صغيرة» و«بدون أدوات أو غذاء أو ماء». وما كان من «الفارينغا» إلا أن «اخترع» مباشرة وسيلة لاصطياد السمك. كان يميل بجسده من القارب ليغمر يديه بالمياه بانتظار أن تمرّ سمكة بينهما ليطبق عليها قبضتيه ويغمس اصابعه في لحمها. وعندما يسحبها إلى القارب يقوم بالتهامها مع بحّاره «نهشا»..
وكان للعواصف أحيانا وجهها الإيجابي في تقديم بعض العون بالنسبة للبحّارين التائهين. ذلك أنه ذات مرّة وبعد عاصفة هوجاء وجدا بالقرب من قاربهما كتلة طافية وجدا فيها عدة زجاجات من البلاستيك مليئة بالماء. ومما روّاه القبطان أنه حسب تقديره لتاريخ عيد الميلاد هيأ «وجبة طعام شهية» من لحم الطيور النيء التي كانت تنشد الراحة على أطراف قاربهما في الليل.
لكن نتيجة تلك الوجبة كانت «وبالا» بالنسبة للبحّار الشاب «كوردوبا». إذ بعد تناوله أحد الطيور بساعات قليلة أخذ يتلوى من الألم. وعندما فتحا أحشاء ذلك الطير وجدا «الهيكل العظمي لأفعى دلّ الجزء الصغير الباقي من جلدها ذي اللون الأصفر أنها كانت سامّة». بقي «كوردوبا» على قيد الحياة بعد تسممه. لكن صحّته اعتلّت.
وقبل موته الذي كان يقترب «انتزع كوردوبا» من «القبطان» وعدين أساسيين. أولهما أن «لا يأكل جثّته بعد موته». والثاني أن «يبحث عن أمّه إذا كُتبت له النجاة ويحكي لها ما حصل له».
هكذا بقي «الفارينغا» وحيدا على القارب التائه. وكان هو الإنسان الأوّل الذي عاش تائها في البحر مدّة 438 يوما. ويوم رؤية رجال الشرطة له «صدفة» عندما كانوا يعبرون المحيط الأطلسي بدا واضحا لهم أن ذلك الرجل المسجّى على ظهر القارب كان قد أمضى وقتا طويلا تائها في البحار.
الأمر الذي دل عليه شعره الطويل «مثل قنفد» ولحيته «مثل المتوحشين» ورجلاه «المتورمتان»، حيث إنه بالكاد يستطيع مشي بعض الخطوات. وكان غير قادر على النظر إلى وجوه محدثيه وجها لوجه بل كان يخفي غالبا وجهه بيديه. لقد كان موجودا عند عثور الشرطة عليه على بعد 10000 كيلومتر من شاطئ المكسيك الذي أبحر منه قبل 438 يوما.
حكاية جديرة بفيلم هوليودي
في هذا الكتاب «438 يومـــاً» يقدّم المؤلف ــ الصحافي قصّة ما يسميه «أطول فترة ضياع في البحر». ويصـــــفها أنها قصـــّة «جديرة بإخراجها كفيلم سينمائي هوليودي». ويضيف أنها قصّة ع «لا تصدّق لكنها حقيقية»، ويشير أنه كــــانت لديه هــــو نفسه الكثير من الشكوك حول مصداقيتها. لكن البحّار قدّم البراهين التي تثبت صدق روايته، كما يشير.
المؤلف في سطور
جوناتان فرانكلين. صحافي أميركي. عمل لسنوات مراسلاً لصحيفة الغارديان اللندنية في الشيلي. وهو مؤلف كتاب «33 رجلا» الصادر عام 2011 الذي كرّسه لعمال المناجم الشيليين الذي بقوا في جوف الأرض 33 يوما بعد أن انهار منجمهم. وكان مئات الملايين في العالم تابعوا عملية إنقاذهم على شاشات التلفزيون.
الكتاب:
438 يوماً.. قصّة استثنائية حقيقية للبقاء في البحر
تأليف: جوناتان فرانكلين
الناشر: مكميلان ــ 2015
الصفحات:
288 صفحة
القطع: المتوسط
438 days
Jonathan Franklin
Macmillan- 2015
288 PP
