يعيش العالم اليوم في هذه الحقبة»من تطوره التكنولوجي«حالة من التقدّم الهائل في شتى الميادين. وخاصّة على صعيد التواصل والمواصلات حيث»ألغيت«إلى حد كبير المسافات.
فالمسافة التي كان يتطلّب قطعها شهوراً طويلة لم تعد يحتاج الانتقال بين مناطقها وبلدانها سوى إلى ساعات قليلة. هذا بالتوازي مع التطوّر الهائل على مستوى الوسائل حيث حلّت بواخر النقل والشحن الكبرى والطائرات العملاقة محلّ تلك السفن الشراعية وأدوات النقل»شبه البدائية«قديماً.
ويعيش البشر اليوم الحقبة التي يطلقون عليها توصيف» عصر العولمة«التي تجد أفضل تعبيراتها على مستوى التجارة بين مختلف مناطق المعمورة في»عصرالتجارة«. لكن هذه الحالة السائدة اليوم من العولمة عرفت»فجرها«على المستوى الاقتصادي في فترة سابقة، قديمة.
وهذا بالتحديد ما يشرحه»ارتورو جيرالديز«، أستاذ الأدب الاسباني وتاريخ العلاقات الدولية في جامعة الباسيفيك بولاية كاليفورنيا الأميركية والأخصائي المعروف دوليا في مجال»التاريخ النقدي ــ المالي«، في كتاب يحمل عنوان:» عصر التــــجارة: سفن مانيللا واقتصاد العولمة«.
يدرس المؤلف في هذا الكتاب ذلك»الجذر البعيد لاقتصاد العولمة«من خلال حالة معاينة محددة تتعلّق بالدور الذي لعبته»سفن مانيللا«في مجال المبادلات التجارية التي قامت بين»مانيللا«في الفيليبين والأمبراطورية الأسبانية في أميركا منذ نهايات القرن السادس عشر واستمرّت حتى بدايات القرن التاسع عشر، أي دامت ما يقارب فترة قرنين ونصف من الزمن. وكانت سلع التبادل تكمن بصورة أساسية بين منتجات الصين من الحرير والتوابل مقابل المال الأسباني ــ الأميركي.
وبالاعتماد على المعطيات العيانية والواقعية والإحصائية يصل المؤلف إلى التأكيد أن»حقبة سفن مانيللا، وما أنجزته من تبادل تجاري كانت ذات أهمية حاسمة بالنسبة للعولمة في بداياتها. ذلك من حيث تزويد أميركا ــ الأسبانية ــ للصين بالمال مقابل تزويد الصين لها بالمنتجات«. هذا إلى جانب التأكيد أيضا على الدور الكبير الذي لعبته الصين آنذاك في التجارة العالمية و»الموقع المتميّز والفريد«الذي كان للفيليبين في تلك التجارة.
ذلك بالتوازي مع محاولة شرح المؤلف لخلفية الطموحات الأسبانية في آسيا وغزوها الفيلبين. والتعرّض في نفس الإطار لحقيقة الطموحات الاستعمارية والمنافسات التي قامت بين المصالح الأسبانية الإمبراطورية وبين المصالح الهولندية والإنجليزية. والتعرّض في مثل ذلك السياق أيضا للعلاقات»التنافسية هي الأخرى «بين الصين واليابان.
وتحديد القول في هذا السياق أن»المال«كان في صميم تلك المبادلات التجارية. هكذا يصفه المؤلف بـ» المنتَج الإستراتيجي«. ذلك على أساس أنه كان هو الذي يغذّي مختلف»الشبكات العالمية«. والإشارة أن مثل ذلك النفوذ الذي اكتسبه المال لا تزال آثاره واضحة حتى الحقبة الحاضرة.
وما يشرحه المؤلف بإسهاب أن الأمبراطورية الأسبانية في أميركا كانت هي القوّة المالية الأهم في العالم خلال القرون الثلاثة التي تمتد من القرن السادس عشر حتى بدايات القرن التاسع عشر. وتحديد القول أنه»ما بين عام 1500 وعام 1800 كانت ممالك المكسيك والبيرو الأسبانية تنتج نسبة 80 بالمائة من المال العالمي«.
والتأكيد بأشكال مختلفة من قبل المؤلف أن الصين كانت هي المستفيد الأكبر من تلك المبادلات التجارية. ذلك أن السفن المعنية كانت تحمل أساساً بواقع»سفينة كل عام«المنتجات الصينية باعتبار أن الصين كانت آنذاك بمثابة»المصدر الأول في العالم بمختلف المنتجات والسلع في تلك الحقبة«.
ويبرر المؤلف واقع»سفينة واحدة في العام«بما يلي:» قبل القرن التاسع عشر كانت المبادلات التجارية العالمية قليلة بسبب ضآلة عدد سكان العالم. وكانت التجارة تقوم على المضاربة بسبب عدم استقرار الأسعار وتباينها الكبير من سوق إلى آخر مما كان يترك للتجّار هامش ربح أكبر. وكانت الاتصالات بطيئة وعمليات النقل مشوشة غالبا بسبب الطقس والقراصنة والحروب مما يفسّر التأرجح الكبير للأسعار وكلفة النقل الباهظة. هكذا كانت سفينة واحدة كافية لتغيير قيمة السلع والأسعار في سوق معيّن«.
ويرى»ارتورو جيرالديز«، مؤلف هذا الكتاب، أن»سفن مانيللا«كانت بمثابة»الدلالة الأولى لقيام اقتصاد عالمي«. بل ويربط بين تعاظم دور الطرق البحرية في مجال التجارة وبين الشروع بإشادة مدينة مانيللا في القرن السادس عشر. ويشرح على مدى العديد من الصفحات كيف أن اكتشاف الطرق البحرية التي تربط بين مختلف القارات»ولّد التجارة العالمية«.
ما يشير له المؤلف في هذا السياق ايضا أن دراسة الدور الذي لعبته»سفن مانيللا والكنوز الثمينة التي حملتها هي أمور ذات دلالة كبيرة بالنسبة للعالم اليوم«. والإشارة أن»سفن مانيللا«كنت عبر نشاطاتها التجارية قد»وضعت الصين في قلب العولمة الأولى«.
والإشارة أيضا أن مثل تلك الحقيقة يتجاهلها كثيرا المؤرّخون الغربيون عموما على خلفية»نزعة أوروبية للتمحور حول الذات«لا تريد أن تعطي للآخرين، وفي مقدّمتهم الصين، دوراً متميّزاً في التاريخ الإنساني.
ويستخدم المؤلف تعبير»العولمة الأولى«بالنسبة لتلك الحقبة على أساس أن البذورالحقيقية للعولمة توجد في الواقع عندما»اكتشف البحّار الأسباني اندريه دو يوردانيتا ممرّاً آمناً عبر المحيط الهادئ ــ الباسيفيكي ــ يربط بين آسيا والشاطئ الغربي للقارّة الأميركية«.
إنها ربما المرّة الأولى التي يتم فيها التعرّض للدور الذي لعبته سفن» غليون«، وما يعني تلك السفن الشراعية والحربية والتجارية التي كانت تنقل أساساً الذهب من المستعمرات الأسبانية إلى الإمبراطورية. ذلك عبر إقامة صلات تجارية بين الإمبراطورية الأسبانية في القارّة الأميركية وبين بلدان آسيوية، خاصّة الصين، عبر مانيللا في الفيليبين.
وكانت تلك المبادلات التجارية قد تجسّدت، حسب التحليلات المقدّمة، بواقع أن»سفن مانيللا«ظلت تؤمّن الارتباط»المنتظم والمستمر«بين آسيا والإمبراطورية الأسبانية في أميركا على مدى ما يزيد على قرنين من الزمن. وتحديد القول في هذا السياق أن آخر سفينة من سفن مانيللا غادرت مرفأ»اكابولكو« في أسبانيا الجديدة ــ المكسيك حاليا ــ في نهاية عام 1815.
المؤلف في سطور
ارتورو جيرالديز، هو أستاذ الأدب الأسباني وتاريخ العلاقات الدولية في جامعة الباسيفيك بولاية كاليفورنيا. وهو من الأخصائيين العالميين المعروفين فيما يتعلّق بتاريخ النقد ورأس المال في النشاطات الاقتصادية.
The age of trade
Arturo Giraldez
Rowman and Littelfield- 2015
270 PP
الكتاب: عصر التجارة: سفن مانيللا وفجر الاقتصاد المعولم.
تأليف: ارتورو جيرالديز.
الناشر: رومان وليتلفيلد نيويورك ــ 2015
الصفحات: 270 صفحة
القطع: المتوسط

