هناك دائماً ما يقال أيضاً وأيضاً عن الثورة الرقمية وعن هذا العصر الرقمي، الذي جلب على مدى عقود قليلة جداً تغيراً كبيراً في حياة البشر على مختلف المستويات والميادين.

وإذا كانت التكنولوجيات الرقمية الجديدة تمثل ثورة حقيقية بالقياس إلى ما سبقها، فإن هناك تغيراً أكثر أثراً بالنسبة للنتائج التي ستترتب عليها وفي ما يخص بالتحديد حياة البشر وأنماط عيشهم ونشاطاتهم وعملهم.

هذا المجال الأخير المتعلق بالعمل هو ما يكرس له دان ليونس، الصحافي والكاتب والروائي الأميركي الذي عمل سنوات طويلة في مجلة «نيوزويك» قبل أن يجد نفسه «مفصولاً» عن العمل لأسباب تتعلق تحديداً بتقليص عدد العاملين من أجل تقليص النفقات.

يحمل الكتاب عنوان «فريسة للتشوش» وعنوانه الفرعي هو «مغامرتي البائسة في المشروع الناشئ المساهم ستارت ـ اب»، ومادته الأساسية هي التجربة الحقيقية التي عاشها المؤلف ـ الصحافي في عمله بتلك الشركة.

في الصفحات الأولى من العمل، يقدم المؤلف نوعاً من النبذة الموجزة عن سيرة حياته الشخصية و«المهنية». ونفهم أنه كان يبلغ الثانية والخمسين من عمره عندما وجد نفسه فجأة من دون عمل بعد أن جرى «الاستغناء عن خدماته» في مجلة «نيوزويك»، التي كان قد عمل فيها سنوات طويلة في القسم المتخصص بـ«التكنولوجيات الجديدة».

في مثل ذلك السياق كان من الطبيعي أن يبحث عن فرصة عمل جديدة في المجال الذي اكتسب فيه خبرة «نظرية»، من خلال عمله الصحافي. وكانت فرصة العمل التي توافرت له هي في إحدى الشركات الناشئة العاملة في قطاع الألعاب الإلكترونية الموجودة في منطقة غير بعيدة من مدينة بوسطن. كان عمله هو بالتحديد في قسم«تسويق الخدمات»، كما يشير.

لم تكن طبيعة العمل هي الجديدة فقط ولكن أيضاً ذلك «الديكور العصري» على شاكلة مختلف الشركات العاملة في القطاع. وجديدة أيضاً كانت «تلك اللغة» التي كان يتحدث فيها«زملاء العمل» الذين لم يبلغ غالبيتهم العظمى سن الثلاثين بقاموسها المختلف جداً عن ذلك الذي كان قد تعود أن يتعامل فيه مع زملاء« مهنة الصحافة».

«ديكور» مكان العمل و«قاموس الزملاء» لم يكونا مصدر التشوش الأكبر بالنسبة للمؤلف، كما يشير. ولكن بالأحرى تلك«المزاعم» التي كان يبديها أولئك الزملاء الذين كانوا يبحثون عن«بيع منتجاتهم» لكنهم يقدمون عملهم وكأنهم يقومون بثورة وأنهم بصدد صياغة عالم جديد.

ومن الجوانب التي يرى المؤلف أنها تثير الكثير من التساؤلات، إذا لم يكن من الإحساس بغياب النزاهة، أن الشركة الناشئة التي عمل فيها كانت تحرص على تقييم العاملين فيها بواسطة سلسلة من النعوت والتوصيفات التي تذهب جميعها باتجاه التأكيد على أنهم«من نوع رفيع المستوى»، بفضل ما يتمتعون فيه من تواضع وفعالية وبراعة وشفافية، وباقي السلسلة من المرادفات.

كما يشير في المقابل، إلى أن الشركة نفسها تعامل أصحاب «التوصيفات الرفيعة» بكثير من الصرامة في الواقع، ذلك أنها تفرض عليهم أهدافاً شاقة عليهم إنجازها بأي ثمن. ويبرز المؤلف في هذا السياق العديد من النتائج التي يعتبرها مثيرة للتشوش اجتماعياً في ما هو أبعد من الحالة العيانية للشركة التي عمل فيها فترة عامين من الزمن.

وفي مقدمة تلك النتائج أن أجيال الشباب الباحثين عن عمل يجدون من خلاله مستقبلهم يكمن في القيام بـعمل مفيد. هذا في الوقت الذي يرون فيه أن جدوى ما يقومون فيه بمثل هذه الشركات يصب في نهاية الأمر في صالح أولئك الذين يسيطرون على «الصناعة الرقمية» في«وادي السيليكون»، الذين يتردد على رؤوسهم حلم نشر معرفة تناهض كل ما أنتجته مختلف المؤسسات العلمية «التقليدية».

ومسألة أخرى يطرحها دان ليونس، من خلال تجربته وهي «البعد الاجتماعي لسلوكية التعامل مع الكبار في السن». هذه السلوكية حيال هؤلاء «المسنين» تقوم على «الاستبعاد والإقصاء» بكل ما يعنيه ذلك.

والإشارة إلى أن مثل هذا التوصيف يعني في سياق العمل في الشركات الناشئة «ستارت ــ اب» أولئك الذين يبلغون الأربعين، بينما أن من هم في الخمسين يصنفون «بين العجزة». وبالتالي «لا يستطيعون أن يقدموا شيئاً». ما يعني، نوعاً من «التمييز على أساس العمر».

كما يبين المؤلف أن أولئك الذين يتركون العمل «قسراً أو اختياراً»، لا ينعتون أبداً في الشركات الناشئة «ستارت اب»، بأنهم مفصولون عن العمل، ولكن أنهم من «حملة الشهادات» الذين سيقومون بتطبيق ما حصلوا عليه من معلومات وخبرات في أمكنة أخرى. والتأكيد في هذا السياق أن هناك «ثقافة» جديدة تبرز في مثل تلك الشركات غير تلك الثقافة بالمعنى الشائع والمرتبط «عضوياً» بالمعرفة، وليس بالأرقام فقط.

عمل بشروط العصر الرقمي

الكتاب بوجه عام، ثمرة تجربة- يطلق عليها المؤلف توصيف «مغامرة»- عمل استمرت بالكاد عامين. كما يشير الكاتب، وعلى الرغم مما أثارته تلك التجربة من تشوش في أعماقه، أنها لم تكن مجرد عبث وإضاعة وقت، فإضافة إلى ما جناه منها من مال خرج بصورة لمجموعة من الشخوص الروائية التي استلهمها من جو «العمل بشروط العصر الرقمي».

المؤلف في سطور

دان ليونس، صحافي وروائي وكاتب ومؤلف سيناريو تلفزيوني أميركي. عمل سنوات في مجلة «نيوزويك» ومجلة «فورب». أولى اهتمامه لدراسة «عالم وادي السيليكون». له العديد من المؤلفات.

الكتاب: فريسة التشوش.. مغامرتي البائسة في فقاعة شركة ناشئة«ستارت ــ اب»

تأليف: دان ليونس

الناشر: هاشيت بوك، نيويورك ــ 2016

الصفحات:

272 صفحة

القطع: المتوسط

Distrupted

Dan Lyons

Hachette Books

New York - 2016

272 PP