من المقولات التي تتردد كثيراً في الغرب حول مختلف العمليات الانتخابية، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية، تلك التي مفادها أن «الوعود الانتخابية لا تلزم سوى أولئك الذين يسمعونها».

هذا بمعنى أن هناك فارقا كبيرا بين ما يطلقه المرشحون من وعود وما يمكن أن يمارسوه عندما يغدون في دوائر السلطة.

إن الاستحقاق الرئاسي الأميركي القادم هو في خريف هذا العام 2016، حيث سيجري انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية بدلاً من الرئيس الحالي باراك أوباما الذي أمضى فترتين رئاسيتين في البيت الأبيض نصّ عليهما الدستور الأميركي النافذ.

ومع اقتراب هذا الاستحقاق الانتخابي المهم صدرت، كما هو العادة في مثل هذه الفترات، سلسلة طويلة من الكتب من بينها كتاب يحمل عنوان «استقراء نجاح الرئاسة أو فشلها».

مؤلف هذا العمل هو جورج ادواردز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس، والذي كان قد عمل في جامعات أكسفورد ولندن وبكيّن وغيرها. وهو أحد المتخصصين ذوي الشهرة العالمية، في مسائل السياسة الداخلية الأميركية عموما والمسائل المتعلّقة بالمنصب الرئاسي بشكل خاص. كما أنه كرّس لهذه المسائل حوالي عشرين كتابا وكمّا كبيرا من الدراسات والمقالات في مختلف وسائل الإعلام.

وبعد أن أولى المؤلف اهتمامه لدراسة مختلف النظريات والنشاطات المتعلّقة بالرئاسة وبـ«الزعامة الرئاسية» الأميركية، يحاول في هذا الكتاب الجديد أن «يستقرأ إمكانات نجاح وفشل» الرئيس الذي «ينقله» الناخبون الأميركيون إلى البيت الأبيض، وأيضا مدى قدرة الرؤساء عموما على تنفيذ «البرامج» التي كان قد جرى انتخابهم على أساسها.

المؤلف يؤسس تحليلاته على الواقع الذي عرفه المنصب الرئاسي خلال الفترتين الرئاسيتين للرئيس الحالي باراك أوباما في البيت الأبيض. وهو يشير بداية إلى أن «ملايين الأميركيين ـ بما في ذلك عدد كبير من السياسيين ذوي الخبرة الطويلة، التفتوا صوب أوباما من خلال زاوية أملهم انتظار الكثير من الإنجازات التي سيقوم بها. ذلك على خلفية قدرته الكبيرة على الإقناع من خلال الموقع الرئاسي».

وينطلق المؤلف في دراساته بالكتاب، من قناعة يجدها سادت لدى الأميركيين، مفادها أن «اوباما سيغيّر السياسات الداخلية والسياسة العامّة للولايات المتحدة الأميركية». ويشير المؤلف إلى أنه ليست قليلة هي أصوات الأميركيين الذين «منحوا أوباما جائزة نوبل للسلام في وقت مبكّر، على الطريقة التي سيسلكها من أجل تغيير العالم».

لكن «حسابات البيدر لم تتوافق مع حسابات الحقل»، كما يقال. ذلك أن الواقع قال شيئا آخر. ويؤكّد المؤلف حقيقة مفادها أن «كُثراً من أولئك الذين تأمّلوا الكثير من المرشّح باراك اوباما أُصيبوا بخيبة أمل كبيرة حيال ما استطاع تنفيذه، بعد أن أصبح نزيل البيت الأبيض».

والسمة الغالبة بالنسبة لتفكير قسم كبير من الرأي العام الأميركي أنهم لم يستطيعوا فهم الأسباب الخفية، و«المجهولة» على الأقل بالنسبة لهم، حيال المسار العملي للرئيس أوباما. إنهم لم يفهموا لماذا كان في «أغلب الأحيان» عاجزا عن استخدام ما لديه من سلطات يمنحها له موقعه وصلاحياته السياسية من أجل دفع الرأي العام والكونغرس الأميركي كي يحظى بدعم مبادراته.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أنه «من النادر، بل ومن المستحيل، ان استطاع الرؤساء الأميركيون أن يجلبوا تأييد الرأي العام لتأييد توجههم وتعبئته من أجل وقوفه مع سياساتهم للضغط على الكونغرس كي يتبنّى المبادرات التي يقومون فيها»، كما نقرأ. ويتحدث بالمقابل عن أنه «في أغلبية الحالات لا يجد ما يتفوه به الرؤساء من كلام إذنا صاغية، لدى أولئك الذين يتوجهون لهم».

من هنا يجري التأكيد على أنه من الواجب الأوّل لأي رئيس أميركي أن يفهم «الإمكانيات القائمة أصلا للتغيير في الواقع الموضوعي لسياق رئاسته». وتحديد القول في هذا السياق أيضا أن «الزعماء الفعّالين» هم أولئك الذين يحسنون «استغلال الفرص المتاحة في محيطهم». مع التأكيد أن «اقتناص الفرص يتطلّب مجموعة من الكفاءات أكثر مما هو اختراعها».

وفي هذا الكتاب يحاول جورج ادواردز أن يشرح الأسباب العميقة التي أعاقت، أو منعت، الرئيس باراك اوباما من «تحقيق التبدّلات الجوهرية التي كان قد وعد بها عندما كان مرشّحا للرئاسة». كما يشرح في السياق ذاته مجمل التحديات التي يواجهها الرؤساء الأميركيون عامّة فيما يتعلّق بتنفيذ برامجهم للحكم. ومن هنا بالتحديد جاء عنوان الكتاب «استقراء نجاح الرئاسة أو فشلها».

وهو يقوم بشرح «النجاح والفشل» بالنسبة للمؤسسة الرئاسية الأميركية في ثلاثة أقسام تتوزع بينها مواد هذا الكتاب. ذلك بعد فصل افتتاحي مكرّس لـ«طرح الأسئلة المفيدة والجيّدة». يحمل القسم الأول عنوان «توقّع الرئاسة» ويضمّ ثلاثة فصول تخص «الموقف الاستراتيجي مع الجمهور» و«الموقف الإستراتيجي مع الكونغرس» وفصل أخير عنوانه «أسئلة مختلفة وأجوبة مغايرة».

والقسم الثاني عنوانه «إمكانيات يمكن استثمارها»، ويبحث المؤلف فيه عن «كيفية تعزيز الرأي العام» و«واستثمار الرأي العام الراهن» و«ممارسة الضغط حيال تكوين الآراء» و«بلوغ القاعدة الشعبية». أمّا القسم الثالث والأخير من الكتاب فيخص «الخاتمة»، ويوجد فصل واحد عنوانه: «الزعامة وعمليات التقييم الإستراتيجي والملاحظات».

وفي العموم، الكتاب يشرح كواليس الرئاسة الأميركية بما يقدّم كمّاً كبيرا من المعلومات المفيدة للباحثين المختصين، كما للجمهور العريض من القرّاء الراغبين في «فهم آليات عمل الرئاسة الأميركية الحديثة» ومداها وحدودها.

ومما يؤكّده المؤلف بأشكال مختلفة، أن الفترات التي تسبق كل عملية انتخاب رئاسية تمثّل «أرضا خصبة» بالنسبة للأميركيين، كي يتفحّصوا المرشحين للرئاسة. وليس فقط «تفحّصهم»، ولكن أيضا، وخاصّة، من أجل «صياغة أحلامهم وتطلعاتهم» حيال ما يمكن أن يقدّمه كل مرشح.

وفي أغلب الحالات «التطلّع إلى التغيير» الذي يصب في اتجاه ما يأملون فيه. بهذا المعنى يرى المؤلف أن «المرشحين للرئاسة لا يدلّون على مواقفهم السياسية فحسب، ولكن أيضا على التأثير المنتظر من زعامتهم الرئاسية».

المؤلف في سطور

جورج ادواردز، مؤلف هذا الكتاب، هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس. سبق ودرس في جامعات أكسفورد ولندن وبكين.

قدّم ما يزيد على عشرين كتابا في عدادها: التجاوز.. الزعامة في رئاسة اوباما، الرئيس الإستراتيجي.. الإقناع وانتهاز الفرص في الزعامة الرئاسية.

الكتاب: استقراء نجاح الرئاسة ــ الأميركية ــ وفشلها. إمكانات الزعامة في الإقناع

تأليف: جورج ادواردز

الناشر: جامعة برنستون ــ 2016

الصفحات:

288 صفحة

القطع: المتوسط

Predicting the presidency

George C. Edwards

Princeton University Press - 2016

288 PP