طبيب أميركي يصف معاناة السود على الصعيد الصحّي

رجل أسود ومعطف أبيض..تأمّلات حول العرق والطب

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

أثار المكوّن «الأسود»، الذي يدلّ على الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية الذين تمّ استقدامهم للعمل في المزارع التي تملّكها البيض الأوروبيون الذين استوطنوا في العالم الجديد ــ اميركا ــ قبل قرون، الكثير من الجدل. وقد عرف أولئك الأميركيون ــ العبيد السود ــ مساراً زاخراً بالآلام وبشتى أنواع الاضطهاد على مدى قرون حتى قبل عقود قليلة من الزمن. وكان انتخاب باراك اوباما بمثابة منعطف حقيقي في المشهد السياسي الأميركي وفي الحياة السياسية الأميركية.

ومن بين المسارات الاستثنائية التي عرفها بعض الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية «دامون تويدي» الذي يعمل حالياً أستاذاً للطب النفساني في جامعة ديوك في كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة الأميركية، وهو خريج كلية الطب من نفس الجامعة ويمارس مهنة الطب منذ سنوات عديدة.

وبعد أن ساهم بكتابة العديد من المقالات والدراسات المكرّسة للمسائل المتعلّقة بالعرق بالنسبة لغير البيض يقدّم كتاباً عن تجربته في ممارسة مهنة الطبيب تحت عنوان «رجل أسود في معطف أبيض» ويضمنه «تأملات طبيب حول العرق والطب»، كما يقول عنوانه الفرعي.

ويروي المؤلف ــ الطبيب الكثير من الذكريات التي عاشها منذ بداية مساره الطبي وهي لا تخلو من الغرابة وبالوقت نفسه من المرارة والعبث. هكذا يشير كيف أنه في كليّة الطب التي كان قد دخلها «رأى به أحد أساتذته عامل صيانة على خلفية لون بشرته» ذلك رغم أنه كان يحضر دروسه منذ شهر من الزمن.

يشير المؤلف إلى أنه في ذلك الوقت اعترض الاستاذ طريقه وسأله «هل أتيت كي تقوم بتبديل المصابيح الكهربائية؟». في ذلك السياق أحسّ بقدر كبير من «الحرج» بينما كان ينبغي بالأحرى على الأستاذ المعني أن يشعر هو نفسه بالحرج بسبب الخلفية العنصرية لتفكيره، كما تبادر إلى ذهنه لاحقاً.

ما يؤكّده «دامون تويدي أنه لم يكن آنذاك يمتلك أي قدر من الثقة بالنفس. بل جعله ما حدث مسكوناً بالإحساس أنه ربما ليس في مكانه كطالب في السنة الأولى بكلية الطب في جامعة ديوك. فهو لم يكن خريج أحد المعاهد الكبرى المرموقة التي تؤهّل لدخول كليّة الطب حسب قوانين التعليم العالي الأميركي. وبالتوازي لم تكن فكرة الفرق العنصري تغادر ذهنه».

ومن خلال تجربة ممارسة مهنة الطبيب في أرض الواقع الأميركي يتعرّض المؤلف لشرح الكثير من المواقف والمشكلات المتنوّعة التي يعرفها الأطباء الأميركيون ذوو البشرة السوداء والتي يعرفها أيضاً المرضى السود من موقعين مختلفين. والتأكيد مثلاً أنها ليست قليلة الحالات التي يرفض فيها مريض أبيض أن يكون طبيبه المعالج من السود.

لكن الغرابة التي عرفها المؤلف ــ الطبيب مرّات عديدة وفاجأته كثيرا أن العديد من المرضى السود رفضوا أن يعالجهم طبيب اسود. وفي جميع الحالات كان الموقف السلبي للمرضى منه السود والبيض يقوم على خلفية الشك بكفاءاته الطبيّة بسبب العرق الذي ينتمي إليه. وهو يؤكّد أن الأمثلة التي صادفها ويقدمها للقارئ تتكرر عملياً في جميع الحالات ذات الطبيعة المشابهة وعلى صعيد واسع.

ومما يشرحه المؤلف أنه من المعلومات التي سمعها في بداية دراسته لمادة الطب في الجامعة تلك التي خففت من حماسه لدراسة الطب والمتعلّقة بالقول إن جميع الأمراض تقريباً تنتشر أكثر لدى السود وربط ذلك في العديد من الحالات بنوع من التصنيف العنصري. وليست قليلة المرّات التي تردد فيها على مسامعه اثناء دراسته للطب في جامعة ديوك جملة مفادها أن يكون امرؤ أسود البشرة يمكن أن يسيء لصحته.

ثم خبر ذلك عملياً أثناء عمله لفترة في أقسام الإسعاف في المشافي العامّة. وهناك لم تكن التعليقات المهينة والمفعمة بالازدراء حيال المرضى السود. ذلك كلّه في فترة كانت العنصرية بحكم الملغاة على الورق. ولكنها كانت لا تزال حيّة في العقول والأذهان، كما في الواقع. وهذا ما يبرزه المؤلف من خلال العقبات التي واجهها على الصعيدين الشخصي والمهني.

وهذا الكتاب هو بأحد وجوهه الأكثر وضوحا عن العرق والعنصرية وعن المرضى وأنماط عيشهم في المجتمع الأميركي من خلال الموشور الطبي أكثر مما هو عن الطب والدواء والتداوي. ومما يتم إبرازه أن المشاعر والممارسات العنصرية العادية تشكّل ألغاماً حقيقيةً في المشافي الأميركية، وأن مثل تلك المشاعر تنخر الجسد الطبي وسلوك المرضى بالوقت نفسه.

وبالوقت نفسه يقوم المؤلف بمقاربة نقدية للنظام الصحّي السائد في الولايات المتحدة الأميركية وبالتحديات الكبرى التي يواجهها الأكثر فقراً، وخاصّة من السود. ويستخدم المؤلف تجربته المريرة الخاصّة من أجل توضيح الأحكام المسبقة التي يواجهها السود الأميركيون على الصعيد الصحّي.

وتقديم العديد من الملاحظات حول طريقة سلوك الأطباء عموماً في الولايات المتحدة مع مرضاهم. ومن بين ذلك أن الأطباء كانوا يقومون سريعاً بكتابة وصفات للمرضى السود الفقراء من دون الاهتمام بتقديم النصائح الطبيّة بخصوص أنظمة تغذيتهم. ذلك على خلفية قناعة شائعة مفادها أن البشر من هذا النوع لا يمكن أن يغيّروا أنظمة عيشهم أو ممارساتهم.

وكتاب يلقي فيه المؤلف الكثير من الأضواء على المشاعر والممارسات العنصرية في أميركا. وهو يشرح ذلك بداية في محيطه الضيّق كطالب اسود في كليّة الطب. ثم ينفتح أفق تحليلاته بمقدار ما ينفتح أفق حياته كطبيب ممارس ثم كاستاذ جامعي.

وفي العموم، فإن هذا الكتاب هو خليط من السيرة الذاتية ومن المذكرات واليوميات عن المؤلف منذ دخوله كلية الطب وحتى ممارسته المهنة ميدانياً ثم كاستاذ لها في إحدى الجامعات الأميركية الكبرى. ويشرح أنه بعد سنوات عديدة من ممارسة الطب في مختلف المستويات ليس من السهل على الإنسان في المجتمع الأميركي أن ينسى لون بشرة جلده.

المؤلف في سطور

يعمل دامون تويدي، مؤلف هذا الكتاب استاذاً لمادة الطب النفساني في جامعة ديوك بولاية كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة الأميركية. مارس مهنة الطب على مدى عدّة سنوات. ساهم بكتابة العديد من المقالات المكرّسة لمسائل العنصرية في المجال الطبي.

الكتاب: رجل أسود بمعطف أبيض.. تأمّلات طبيب حول العنصرية والطب

تأليف:دامون تويدي

الناشر: بيكادور - نيويورك ــ 2015

الصفحات: 304 صفحات

القطع: المتوسط

طباعة Email