تبقى روسيا بمثابة إشارة استفهام كبرى بالنسبة للغرب وإلى حد كبير بالنسبة للعالم. ولا شك أنها تثير الكثير من المخاوف لدى القادة الغربيين، وكان أحد الرؤساء الأميركيين السابقين قد وصف الاتحاد السوفييتي السابق بـ«إمبراطوية الشر». مثل هذا التوصيف تردد «في السر» إن لم يكن «في العلن» في أذهان الكثيرين حيال روسيا بعد ضمّها شبه جزيرة القرم في عام 2014.
عن روسيا الراهنة، هذه التي تثير الخوف لدى الغرب، يقدّم الباحثان «جان رادفاني»، أستاذ جغرافية روسيا في المعهد الوطني الفرنسي للغات والحضارات الشرقية، و«مارلين لارويل»، المؤرّخة الفرنسية والأخصائية بالعوالم الروسية والقوقازية والأوروبية الوسطى، كتاباً مشتركاً تحت عنوان «روسيا بين أشكال الخوف والتحديات».
يبدأ المؤلفان بتقديم نبذة عن المسار التطوّري الذي عرفته روسيا منذ سقوط جدار برلين وعلى إثر ذلك تفكك الاتحاد السوفييتي السابق ونهاية المعسكر الشرقي. ويؤكّدان أنه بعد ربع قرن من زوال الاتحاد السوفييتي السابق لا تزال روسيا «تثير الخوف» من جهة، وتواجه الكثير من «التحديات»، من جهة أخرى.
الأعراض الأساسية لحالة القلق التي تعاني منها النخب الروسية والمجتمع المدني الروسي والروس بشكل عام يتم تحديدها بوجود حالة من التساؤل حول المستقبل، ذلك على ضوء واقع الهزّات المتتالية التي عرفتها البلاد خلال العقود الأخيرة. وفي حين أن الكثير من القناعات والآمال التي تولّدت مع زوال النظام الشيوعي السابق قد اهتزّت وأصابها التشوش.
وعلى مدى فصول هذا الكتاب يشرح المؤلفان، الخبيران بالشأن الروسي اليوم، «العوامل الجغرافية والتاريخية والسياسية والثقافية والجيوستراتيجية» التي تتفاعل آثارها داخل روسيا في الوقت الراهن. ذلك بالنسبة لما يعتبرانه «ركائز السلطة الروسية» اليوم، والتي يتم تحديدها في «الرئيس - فلاديمير بوتين - وحكومته والجيش وجهاز الأمن ووزارة الداخلية ورجال الكنيسة الأرثوذكسية».
هكذا يشرحان كيف أن «روسيا مريضة بمساحتها»، كما يقول عنوانه. والإشارة أنه تترسّخ في قرارة الروس نوعاً من القناعة التي تثبتت تاريخياً بأن بلادهم هي بمثابة «قارّة حقيقية» بمساحة شاسعة. والإشارة أن هذه المساحة الهائلة «تبعث الخوف في قلوب الآخرين وتخيف روسيا نفسها».
مثل هذا الواقع انعكس على علاقات روسيا مع العالم الخارجي، حيث يحدد المؤلفان طبيعة هذه العلاقات بأنها مزيج من «الانجذاب والحذر والمصلحة وعدم الفهم». هذا مع توضيح أن مثل هذا الخلط ناتج هو أيضا عن «مجموعة من الوقائع المتناقضة» بالتوازي مع «انفتاح» غير معهود في ظل النظام السوفييتي على العالم الخارجي.
ولا ينسى المؤلفان من اهتمامهما المسائل المتعلّقة بـ«الاقتصاد الروسي»، ويشرحان أنه أحد التحديات المستقبلية بالنسبة لروسيا. ويشيران أن العمود الفقري لهذا الاقتصاد تتمثل في التجارة الخارجية التي حققت في عام 2015 ما قيمته «145 مليار دولار أميركي»، وحيث تشكّل الموارد الطبيعية نسبة 85% من الصادرات الروسية.
ويتم تقديم الإرث السوفييتي كأحد عوائق «الاستقرار» بالنسبة لروسيا اليوم.
هنا يشير المؤلفان إلى تصريح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعود لعام 2014 أكّد فيه أن «روسيا لا تسعى لتوسيع حدودها». ويعلّقان على ذلك بالسؤال التالي: «ما قيمة مثل هذا التأكيد بعد ضمّ شبه جزيرة القرم؟»
المؤلفان في سطور
- جون رادفاني أستاذ جغرافية روسيا بالمعهد الفرنسي للغات والحضارات الشرقية. أخصائي بمنطقة القوقاز وروسيا ومحيطها بعد الحقبة السوفييتية. من مؤلفاته «عودة روسيا أخرى» و«القوقاز: لعبة النفوذ الكبرى»..
- مارلين لارويل هي مؤرّخة فرنسية مختصة بدراسة «العوالم الروسية»، من مؤلفاتها: «آسيا الوسطى: الانزلاق الاستبدادي»، و«الأحمر والأسود: اليمين المتطرّف في روسيا»..
الكتاب: روسيا بين أشكال الخوف والتحديات
تأليف: جون رادفاني ومارلين لارويل
ترجمة: ديما الخضرا
الناشر: ارمان كولان باريس - 2016
الصفحات: 242 صفحة
القطع: المتوسط
