يتم استخدام توصيف «الجنود المجهولين» على العديد من البشر، على خلفية الدور الكبير الذي يقومون فيه لمجتمعاتهم أو للآخرين، بينما يبقون «في الظل» بعيداً عن الأضواء. بل قد لا يذكرهم أحد إلاّ في الحالات التي يبرز فيها دورهم للحظة ما أثناء بعض الأحداث المتعلّقة بعملهم. ومن بين هؤلاء «الأبطال المجهولين» رجال الإطفاء الذين يساهمون بفعالية في إخـــماد النيران وإنقاذ الكثير من الأرواح.

لا شكّ أن رجال الإطفاء لم يحظوا سوى بالقليل القليل من دراسات العلوم الاجتماعية. من هنا يأتي كتاب رومان بودال، الأخصائي بعلم الاجتماع والمكلّف ببحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ليسدّ قليلاً هذه الثغرة. يحمل الكتاب عنوان «العودة من اللهب. رجال الإطفاء، أبطال منهكون».

إن مؤلف هذا الكتاب يعتمد في تحليلاته على تجربته الخاصّة كـ«رجل إطفاء متطوّع» في إطار «أفواج إطفاء باريس» لمدّة 15 عاماً. ومن هذا الموقع بالتحديد، «القريب من الطبقات الشعبيّة»، يقوم بدراسته ما يسميه «التوترات السياسية والاجتماعية» التي تجتاح فرنسا اليوم بالاعتماد على نوع من المزج بين «التحقيق الميداني والتحليل الاجتماعي».

ويكتب المؤلف: «هذا الكتاب ليس تحقيقاً ميدانياً على الطريقة الصحفيّة، ولكن بالأحرى نوع من التحوّل نحو مهنة أصبح مع الزمن بمثابة نوع من التحقيق السوسيولوجي». لكن تبقى الميزة الأساسية لهذا العمل أنه يجمع بين التحليل المعمّق للأحداث وبين توصيف التجارب التي عاشها المؤلف في ميدان العمل، وفي الحالتين يكتب المؤلف بأسلوب ولغة سهلين مما يجعل العمل موجّها لجميع القرّاء.

ويولي مؤلف هذا الكتاب اهتمامه لدراسة ظاهرة شائعة أبرزتها نتائج مختلف العمليات الانتخابية التي جرت خلال السنوات الخيرة، تلك الظاهرة تتمثّل في أن جزءاً مهماً من الشرائح الشعبية الفرنسية تذهب نحو تأييد اليمين، بل واليمين المتطرّف، بينما أن موقعها التاريخي كان بالأحرى أقرب إلى اليسار.

لكن يتم تصنيف تلك الشرائح ومن بينها رجال الإطفاء أنهم في الواقع القائم من «معسكر اليمين سياسياً». يشير المؤلف أنهم بالمقابل يرون في مهنتهم أداة مزدوجة. من جهة هم بمثابة «يد اليسار» من حيث ما يقدمونه من «مساعدات» و«يد اليمين» للدولة عبر مساهمتهم في «المحافظة على الأمن والنظام».

 في الصفحات الأولى من هذا الكتاب يقوم المؤلف ــ الإطفائي بتوصيف «نمط الحياة اليومية» لرجال الإطفاء حيث يصف المحيط الذي يعيشون ويعملون فيه بـ «عالم مغلق جداً حيال الخارج»، والوصول إلى نتيجة مفادها أن المعنيين يخضعون لـ«تربية بدنيّة ونفسيّة قاسية» تجعلهم «مغلقين»حيال الآخرين. هذا خاصّة أن مهنتهم هي ذات طبيعة ذكورية بامتياز.

ويشرح المؤلف أنه لا يمكن من هم خارج الإطار المهني للمعنيين، أي من غير رجال الإطفاء، أن يفهموا كيف أن هؤلاء يتم النظر لهم في فرنسا اليوم على أنهم من «النخبة» وبالوقت نفسه أنهم من «الشرائح الشعبيّة». وأنهم يتعاملون مع الآخر بـ«خشونة» كردّ فعل على «الخشونة» التي يواجهونها في حياتهم اليومية.

ما يؤكّده المؤلف في تحليلاته، ومن خلال معرفته الميدانية بالعالم الذي يدرسه أن الذين يتطوّعون في سلك الإطفاء هم في السواد الأعظم منهم من الطبقات الوسطى، وخاصّة من الطبقات الشعبية التي يحدد توصيفها بـ«البيضاء». ذلك بمــــعنى من «غير الأصول المهاجرة».

ويشرح المؤلف أن شريحة رجال الإطفاء تمتلك نوعاً من الوعي السياسي، وهذا الوعي يقوم على التطلّع للالتحاق بـ«قطب البورجوازيين الصغار». ذلك بالتوازي مع الابتعاد عن «الأوساط الشعبيّة» التي ينتمي لها قسم كبير منهم. ويدركون في هذا الإطار أنهم ينتمون إلى مؤسسة تسمح لهم ببعض «الحركية الاجتماعية لتحسين مواقعهم». لكنهم يدركون أيضاً أن مهنتهم تتطلّب منهم الكثير من «التضحيات» بينما لا تؤمّن المستقبل سوى «لأجل قصير».

ويشير المؤلف أنه هو نفسه ينحدر من أصول «بورجوازية» وأنه من «النخبة دراسياً» من حيث المدارس والجامعات التي تعلّم بها. ويشير أن زملاءه في ثكنات رجال الإطفاء كانوا ينادونه دائماً يـ«الدكتور». لكنه يصرّ بالمقابل أن يعبّر دائماً بـ «نحن» من أجل توصيف حياة المعنيين. وبالدقّة استخدام «نحن» مقابل «هم» للدلالة على «العالم الخارجي» عنهم.

هذا مع الإشارة أن رجال الإطفاء في فرنسا هم اليوم في «الخطوط الأولى» بأجواء زاقع يشوبه التوتر والنزاع الاجتماعي الذي تشكّل الضواحي التي يسكنها المهاجرون إحدى ساحاته الرئيسية، وهم يعيشون باستمرار نوعاً من الإحساس بالوقوف «أمام المجهول» بالنسبة لأوضاعهم ولمستقبلهم.

المؤلف في سطور

رومان بودال، باحث اجتماعي فرنسي، درس الفلسفة وعلم الاجتماع. والتحق بسلك رجال الإطفاء في المنطقة الباريسية لمدّة خمسة عشر عاماً، وهو مختص بدراسة الطبقات الاجتماعية وتوجهاتها السياسية.

الكتاب: العودة من اللهب. رجال الإطفاء، أبطال منهكون

تأليف: رومان بودال

الناشر: لا ديكوفيرت باريس ــ 2016

الصفحات: 180 صفحات

القطع: المتوسط