شهد القصر الكبير في العاصمة الفرنسية باريس، خلال شهر يونيو من هذا العام 2016 معرضاً لآخر لوحات الفنان الصيني الشهير هوانغ يونغ بينغ. حمل المعرض عنوان «إمبراطوريات».

تجدر الإشارة أن هذا الفنان يعيش ويرسم في فرنسا منذ عام 1989 وما دعاه إلى القول، إنه «لم يعد صينياً كاملاً دون أن يصبح غربياً كاملاً أيضاً». وما يؤكّده بأشكال مختلفة، وما يبدو بوضوح في أعماله، هو تأثره بالفلسفة الغربية وبفلاسفة غربيين كبار من أمثال «كانط ونيتشه وجيل ديللوز وغيرهم»، ذلك بالتوازي مع تأثره العميق والدائم بالتراث الكلاسيكي الصيني.

وفرانسوا جوليان هو فيلسوف فرنسي كان قد أمضى وقتاً طويلاً في الصين، بعد تخرجه في مدرسة المعلمّين العليا التي تخرج فيها كبار مفكري فرنسا وأدباؤها من أمثال جان بول سارتر وريمون آرون وغيرهما. وهو من أشهر الأخصائيين الفرنسيين بالصين وتاريخها وفلسفتها. كما أنه لا يتردد في التأكيد بأشكال مختلفة أن الصين كانت بالنسبة له في البداية هي «موضوع جدير بالاهتمام»، ثم غدت «مصدراً لا ينضب للمعرفة والفكر».

وتحت عنوان «عوالمنا عبر اللغات» صدر مؤخراً كتاب باللغات الفرنسية والإنجليزية والصينية ضم «محادثات بين هوانغ يونغ بينغ وفرانسوا جوليان». والمساهمان في هذه الحوار يتحدثان، كل منهما من موقعه، عن تجربتهما المشتركة «المتأرجحة بين الصين والغرب»، حيث عاش كل منهما شطراً هاماً من حياته على الجانبين. تجدر الإشارة أن اللقاء والحوار بين الرجلين تم من قبل الأخصائي بفقه اللغات والكاتب «دوناتيان غرو».

ولكن ما الذي يمكن أن يتشارك فيه، وحوله، فنان صيني وفيلسوف فرنسي، يبدو أن ثقافاتهما وتاريخهما يتباينان إلى حد الاختلاف؟ وهل يمكن لعمق التباين والتباعد أن يسمح بفسحة حقيقية من التفاهم؟ وما هي نقاط «التلاقي والتقاطع» بين «مسارين باتجاهين متعاكسين»، لرسام ترك الصين للعيش في فرنسا، ولفيلسوف فرنسي غادر فرنسا من أجل «لقاء الصين»؟ وأين نتقاطع في الواقع في ما هو أبعد من ذلك الفلسفة مع الفن؟

الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تتلخص في التأكيد من الطرفين أنه ليس هناك من حواجز يمكن أن تمنع التفاهم بين إنسانين إذا استخدما لغة حوار تقوم على أساس «التشارك بكل ما هو ممكن». وبالتحديد ما يمكن أن تتشارك فيه الثقافات الإنسانية في مختلف الأشكال، التي تتبدى فيها في مختلف الثقافات.

في المقام الأول يقوم كل من الرجلين، الفنان والفيلسوف، بتقديمه ثقافته للآخر وللذين يشاركون لاحقاً في حوارهما «عبر القراءة»، عبر اللغات التي تم تدوينه فيها. وبالتوازي مع ذلك يقدم كل منهما رؤيته لثقافة الآخر بحكم العلاقات الطويلة، التي نسجها كل منهما في البلاد الأصلية للآخر.

تتوزع مواد هذا الحوار ــ اللقاء في هذا الكتاب «الصغير الحجم»، وبلغات مختلفة بين أربعة أقسام تحمل العناوين التالية: «النص» و«أشكال تناسق المفاهيم» و«مساران» وأخيراً «في العالم».

وفي جميع هذه الأقسام ــ الفصول يتم التعرض لتاريخ الفن وتاريخ الأفكار الفلسفية في كل من الصين والعالم الغربي، من خلال «الانتقال» بين الثقافتين. هكذا مثلاً يقدّم الفنان الصيني هوانغ يونغ بينغ نوعاً من المقاربة بين «المدرسة المسماة دادائية في فرنسا وبين حركة الزن الصينية».

إن الفنان الصيني والفيلسوف الفرنسي يوليان في حوارهما أهمية خاصّة لهذا المجال الذي تحدده كلمة «بين». تجدر الإشارة أيضاً في هذا السياق أنه يتم التعرّض للكثير من التعابير والمفاهيم الموجودة في اللغة الصينية، التي لا وجود لما يعادلها في اللغة الفرنسية.

من هنا تغدو عملية ترجمتها «شبه مستعصية».ومن خلال مثل هذا البعد «اللغوي» يتعرض المساهمان في هذا الحوار لبحث المسائل المتعلقة بـ«التباين والتباعد» بين اللغات، فيرى الفنان الصيني أن «العمليات الإبداعية يتم التعبير عنها بالأشكال وليس بالكلمات». هذا كونه تأكيداً على الدور الجوهري الذي يمكن للفن أن يلعبه في الحوار بين الثقافات والحضارات. وحديث طويل في هذا السياق عن «دور الفن» وعن «انتقال الأفكار».

والتأكيد في هذا السياق على وجود فروق كبيرة بين تقاليد الثقافتين الصينية والغربية. ومما ذكره «فرانسوا جوليان» مفاده أن «أحد أشكال التباين والتباعد الكبرى بين التقاليد الصينية والتقاليد الأوروبية يكمن في أن اليونانيين ولجوا عالم الفن عبر التقليد والمحاكاة»، هذا بمعنى أن الفن في الغرب «أعاد إنتاج الطبيعة»، بينما تغلب «الرمزية» على الفن الصيني.

ويذهب فرانسوا جوليان أبعد في محاولة «تبيين أشكال وأنماط التباين والتباعد ورصدها والتأمل بها» بين الثقافة الصينية والثقافة الأوروبية، كما في داخل الثقافة الأوروبية نفسها وغيرها من الثقافات، ذلك بهدف «اكتشاف تلك الأشكال والأنماط من التباين والتباعد، مما قد يسمح بالخروج من الخمول الفكري ويبعث توتراً خلاّقاً في الفكر.في المحصّلة النهائية يتم التأكيد في هذا العمل على أن المهم هو «ابتكار فلسفة للعيش والتفاهم بين البشر».

فهذا يمثل «التحدي الحقيقي اليوم، وليس البحث عن سبل التأقلم مع طلب سوق مهووس بالازدهار الشخصي». وهذا هو الدور الذي يمكن للفن وللفكر أن يسهما فيه. وهذه هي الرسالة العميقة التي يصوغها «الفنان والفيلسوف» عبر حوارهما في هذا العمل المشترك.

ومن خلال «المحادثة» بين الفنان الصيني والفيلسوف الفرنسي، اللذين يؤكدان أنهما على قناعة بوجود تباين بين الثقافات، يبدو أن الموضوع الأساسي هو نوع من «الحوار بين أوروبا والصين»، عبر اللغتين الفرنسية والصينية. هذا وقد تمت ترجمة الحوار إلى اللغات الثلاث، الفرنسية والصينية والإنجليزية. ولم يكن في الواقع مجرد حوار عبر اللغات، ولكن بين الثقافات أولاً وأساساً.

المؤلفان في سطور

-فرانسوا جوليان، فيلسوف ومفكر فرنسي، مختص بالصين وتاريخها وثقافتها. قدم الكثير من الكتب في عدادها «اختراع مثال أوروبا ومصيرها» و«حول الفعالية» و«فلسفة العيش».. إلخ.

-هوان يونغ دينغ هو فنان صيني شهير. غادر الصين عام 1989 إلى فرنسا، حيث يقيم ويعمل منذ ذلك التاريخ.

الكتاب: «عوالمنا عبر اللغات»

تأليف: هوانغ يونغ دينغ وفرانسوا جوليان.

الناشر: كلينكسيك- باريس ـ 2016

الصفحات: 160 صفحة

القطع: المتوسط