00
إكسبو 2020 دبي اليوم

اشتداد العنصرية وتداعياتها

السود في أميركا..نضال طويل وحياة لها قيمة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تشهد الولايات المتحدة الأميركية في الفترة الأخيرة تصاعداً للعنف الموجّه حيال الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، أي السود. وليست قليلة هي الحالات التي يكون فيها الذين يقومون بذلك العنف هم من رجال الشرطة الأميركية «البيض»، كما تدل سلسلة من الأحداث الأخيرة.

ما يتفق حوله جميع المحللين هو أن مكوّن السود في المجتمع الأميركي عاش مراحل طويلة من النضال من أجل نيل حقوقه المدنية. ذلك أن مظاهر التمييز العنصري بقيت بارزة حتى سنوات الستينات من القرن الماضي، العشرين. ولا شكّ في مثل هذا السياق أن انتخاب «باراك أوباما»، كأول رئيس أميركي من أصول إفريقية شكّل «منعطفاً هاماً» في التاريخ الأميركي كلّه.

لكن ذلك لا يمنع واقع أن السود لا يزالون يعانون من الكثير من مظاهر الاضطهاد وأنهم الأكثر فقراً في المجتمع الأميركي ويشكّلون، كما تدلّ مختلف الإحصائيات الرسمية الأميركية، النسبة الأكبر بين السجناء الأميركيين. ثم أنهم الضحايا الرئيسيين للعنف الذي يشكل لون البشرة محرّكه الأول.

وليست قليلة الكتب التي كرّسها مؤلفوها لمناقشة مختلف المسائل المتعلّقة بالتمييز العنصري الذي يعاني منه السود الأميركيون أو للبحث في مسار نضالهم من أجل حقوقهم المدنية أو في سيرة حياة العديد من رموزه الرئيسيين من أمثال مارتن لوثر كنغ ومالكولم إكس وغيرهما.

إن «كينغا ــ ياماتا تايلور»، الأستاذة في جامعة برنستون الأميركية والكاتبة والمناضلة من أجل حقوق السود تكرّس كتابها الأخير لمحاولة الإجابة على السؤال التالي: ما هي الأسباب التي تؤدي إلى تصاعد العنف، خاصّة من قبل عناصرالشرطة الأميركية ضد السود في عهد أوّل رئيس أميركي أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية؟.

وتنطلق المؤلفة في تحليلاتها من رصد المسار الذي عرفته حركة للنضال من أجل نيل السود الأميركيين حقوقهم المدنية هي حركة «حياة السود لها قيمة»، التي برزت وتعزز وجودها ودورها منذ صيف عام 2014. وتستعيد المؤلفة سلسلة من الأحداث الأخيرة التي ليس أقلّها شهرة قتل الشرطة للشباب السود في نيويورك وغيرها من المدن الأميركية.

وتؤكّد من خلال دراستها لهذه الحركة أن واقع «التمـــييز العنصري» الذي يعاني منه السود الأميركيون «لا يزال قائماً ومســـتمرّاً». الدلالة البليغة على ذلك تجدها في «النجاة من العقاب» بالنسبة لرجال الشرطة الذين مارسوا عمليات عنــــــف ضد السود. الأمر الذي تلخّـــصه المــــؤلفة بالتأكيد أنه «من الوهم تصوّر قيام أميركا ما بعد العنصرية»، بعد انتخاب باراك أوباما رئيساً.

في هذا الإطار يمثّل هذا العمل نوعاً من الدراسة الشاملة للأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمنظومة الأميركية القائمة اليوم. والخروج من ذلك بنتيجة اساسية مفادها أنه غدا من الملحّ اليوم تفعيل وتنشيط الحركات التي تثبّت ضرورة تحرير السود الأميركيين من أجل تحرير المجتمع الأميركي كلّه من ممارسات تنتمي إلى الماضي «العنصري». وبالتوازي مع ذلك الخلاص نـــــهائياً من ممارسات العنف التي تمارسها أجهزة السلطة الرسمية ضد أحد مكونات المجـــــتمع الذي ينبغي أن تكون حمايته هي في طلـــيعة اهتماماتها.

وما يشير إلى السياسات التي انتهجتها الحكومة الفدرالية الأميركية آنذاك بعد أشكال «العصيان المدني» للسود آنذاك. وتشرح المؤلفة أن التمييز العنصري تركّز آنذاك بشكل خاص على المسائل المتعلّقة بالسكن حيث كانت «الأحياء السوداء» عامّة هي أوّل ضحاياها.

وتميز المؤلفة في تحليلاتها بين واقع تردّي الأحوال الحياتية لأغلبية السود الأميركيين وبين بروز «نخبة سياسية سوداء»، ينتمي لها الرئيس الأميركي الحالي باراك اوباما والمحيطين فيه من الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية. هذه النخبة «السوداء» لها أفكارها وتبريراتها التي تفسّر على أساسها ما تسميّه المؤلفة «ثقافة الفقر» بالنسبة للأميركيين ــ الأفارقة.

وبهذا المعنى أيضا ترى المؤلفة أنه هناك اليوم نخبة أميركية «بيضاء وسوداء» تقارب بينها المصالح المشتركة وبالتالي تتقارب مواقفها فيما يتعلّق بمسألة حسّاسة مثل التمييز العنصري. وفي مواجهة هذه النخبة العليا، هناك أيضا مجموعات شعبية تجد أنصارها من جميع مكونات المجتمع الأميركي«البيضاء والسوداء».

والإشارة أن أميركا تجتاز في هذه «المرحلة الدقيقة» أحد «المنعطفات الهامّة» في «تاريخها العنصري». ذلك مع عودة العنف الذي يعيد للذاكرة الماضي غيرالبعيد. وبالتوازي مع ذلك استيقاظ «مجموعات من المناضلين الشباب» للانخراط في حركات مثل «حركة حياة السود لها قيمة»، التي تجد مؤلفة هذا الكتاب أحد المصادر الرئيسية لمادة عملها في رصد مسار تطورها.

من هنا بالتحديد تؤكّد على «بنية حركة حياة السود لها قيمة» على اعتبار أنها مؤهّلة للنجاح في ضمّ مجموعات ذات أصول متنوّعة للنضال ضد التمييز العنصري. ومن الخصوصيات التي يتم التأكيد عليها بالنسبة للحركة المعنيّة أنها «أيقظت جيلاً جديداً من المناضلين ضد التمييز العنصري» في الولايات المتحدة الأميركية.

ومن الجوانب التي تؤكّد عليها مؤلفة هذا الكتاب بالنسبة للنضال ضد التمييز العنصري أنه غدا يكتسي «بعداً اجتماعياً» من حيث التأكيد على ضرورة مكافحة الفقر الذي يصيب شرائح هامّة من المجتمع الأميركي، ولا يقتصر على مكوّن واحد، مثل السود لأسباب تاريخية. وتؤكّد المؤلفة بأشكال مختلفة في هذا السياق على «استمرارية التخريب التاريخي والمعاصر» للعنصرية في المجتمع الأميركي.

وتقول المؤلفة في أحد جمل هذا الكتاب: «عنــــــدما أفكّر بتاريخ السود في هذه البلاد ــ أميركا ــ أفكر أيضا بالنضال الذي لا نهاية له وبمقاومة الاضطهاد».

وتؤكّد المؤلفة على استمرار ظاهرة التمييز العنصري التي بدا أنها في طريقها إلى الأفول والانقراض مع اختيار الأميركيين لرئيس من اصل افريقي. وتؤكّد كينغا تايلور أيضاً على أن شروط حياة ومستوى معيشة الشرائح الشعبية الأميركية عامّة، والسود منهم بشكل خاص، هي في طريقها للتدهور أكثر فأكثر منذ عقد السبعينات الماضي.

طباعة Email