00
إكسبو 2020 دبي اليوم

تأثيرات متناقضة تركت آثارها العميقة في شخصيته وفي أنماط سلوكه

منظومة بنزيما..فنّان الملاعب الذي لم يُنصف نفسه

ت + ت - الحجم الطبيعي

قيل الكثير الكثير في الفترة الأخيرة بفرنسا حول لاعب كرة القدم الفرنسي «كريم بنزيما»، الجزائري الأصل ولاعب نادي «ريال مدريد حالياً»، والذي يعتبره العديد من النقّاد الرياضيين «أحد أفضل لاعبي كرة القدم في العالم اليوم».

ورغم ذلك لم يختره في النهاية «مدرّب الفريق الوطني الفرنسي» في عداد لاعبيه المشاركين في بطولة أوروبا لكرة القدم 2016 في فرنسا. الأسباب ليست رياضية، ولكن بالأحرى على خلفية الجدل الذي أثارته في الأشهر الأخيرة القضايا التي كان «بنزيما» موضوعا لها.

الصحافيان الفرنسيان جيل فيرديز، المعلّق التلفزيوني والإذاعي المعروف والأخصائي بعالم كرة القدم؛ وجاك هينان، رئيس التحرير السابق لصحيفة «لوباريزيان» وقبلها لصحيفة «فرانس سوار»، يكرّسان كتابا لما يسميانه «منظومة بنزيما»، كما جاء في عنوانه.

من الملاحظ أن مؤلّفي هذا الكتاب لا يصدران أبداً أيّة أحكام أخلاقية أو شخصية على بنزيما الذي حمل لمرّات الرقم 9 في الفريق الوطني الفرنسي.

لكنهما ينقّبان ويبحثان في الأسباب البعيدة التي جعلت «فنّان الملاعب»، كما يطلقان عليه، يعيش باستمرار ما يبدو نوعاً من «الحنين» إلى ممارسات طفولته ومراهقته عندما كان يسكن في أحد ضواحي مدينة ليون ذات الأغلبية الساحقة من ذوي الأصول المهاجرة، خاصة من بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط العربية ومن إفريقيا جنوب الصحراء «السوداء».

وكان قد تعرّض في الواقع لسلسلة طويلة منها، لكنه عرف كيف يعود إلى واجهة الاهتمام والشهرة، في الوقت الذي كان ينتظر كُثر أنه «سوف يسقط نهائياً».

تجدر الإشارة في هذا السياق أن لاعب كرة القدم الفرنسي السابق الشهير أريك كانتونا لم يتردد في مقابلة له مع صحيفة «الغارديان» البريطانية في توجيه «الاتهام» لمدرّب الفريق الوطني الفرنسي ديدييه ديشامب أنه لم يختر «بنزيما» على خلفية عنصرية، سائدة برأيه في عام كرة القدم، وفيما هو أبعد في المجتمع الفرنسي.

ويشير المؤلفان أن «كريم بنزيما» عاش وسط «منظومة» وضعته تحت تأثيرات متناقضة تركت آثارها العميقة في شخصيته وفي أنماط سلوكه، كما يشيران. ويتساءلان: هل كان ضحيّة تلك التأثيرات وضحيّة أصدقائه الذين كانوا يحيطون فيه أم أنه هو بطبيعته يميل نحو إثارة المشاكل؟. وسؤال آخر: ما الذي يخفيه بنزيما وراء قناع الهدوء الذي يبدو فيه باستمرار؟.

لم يفلح المؤلفان، كما يشيران، في التواصل المباشر مع بنزيما الذي «ظلّ بابه موصداً أمامهما» وحيث يسود «قانون الصمت» في «وسط مغلق تماماً هو الآخر»..

هكذا سلكا طريقاً آخر للتعرّف على خبايا شخصيته وشرح المسار الذي عرفه، والذي يمثّل في واقع الأمر نموذجاً فيه الكثير مما عرفه أبناء الأجيال التي تعود أصولها إلى الهجرة الكثيفة من بلدان شمال إفريقيا العربية ــ المستعمرات الفرنسية السابقة. الطريق الذي اختاره المؤلفان هو تقصّي المنبت الأسري والمسار الحياتي لكريم بنزيما ووسطه الاجتماعي والرياضي.

ونفهم أن أصوله تعود، مثل الغالبية العظمى من أبناء جيله إلى مكوّن الهجرة في فرنسا، حيث إنه ابن أسرة مهاجرة تعود أصولها إلى منطقة القبائل بالجزائر. عمل أبوه بعد وصوله إلى فرنسا كعامل في بلدية ضاحية «فيلربان»، القريبة من مدينة ليون الفرنسية.

كان الأب نفسه لاعب كرة قدم أشرف بنفسه على صقل موهبة ابنه قبل أن يتولاه مسؤولو نادي «اولمبيك ليون» لتبدأ مسيرة شهرته ويصبح «نجماً عالمياً».

يلعب اليوم مع نادي ريال مدريد الأسباني الذي يتولّى اليوم مهمة تدريبه اللاعب الفرنسي الشهير السابق «زين الدين زيدان» الذي تعود أصوله أيضاً إلى منطقة القبائل بالجزائر. يشرح المؤلفان في هذا السياق ما يصفانه بـ«منطق تكوين اللاعبين في فرنسا ــ مثلما هو في البلدان المتقدمة الأخرى ــ وتوصيفه أنه لا يركّز على تعزيز إثراء البعد الإنساني لديهم، بل الكفاءات التقنية الرياضية».

في مثل هذا السياق يؤكّدان بأشكال مختلفة أن «كريم بنزيما» لا يملك ببعده الإنساني الكثير ما يستدعي «مسبقاً» الاهتمام بكتابة سيرة حياته الشخصية. لكنه نموذج مهم للتعبير عن «المنظومة» التي «تنتج» تقنيين رياضيين استثنائيين «ذوي كفاءات عالية» مثله. ولكن دون أن تسمح مختلف مكوّنات تلك المنظومة له أن «ينضج» على صعيد الشخصيّة والممارسات خصوصاً.

ومما يتم التأكيد عليه في المحصّلة هو أن كريم بنزيما «ظلّ ذلك المراهق الأبدي الذي لم ينضج، حيث بقي تحت تأثير أسرته وزملائه وضاحيته القديمة ومدير أعماله ومدرّبيه».

ذلك «الحنين» إلى سنوات الطفولة والمراهقة هو الذي كان وراء العديد من القضايا التي أساءت لصورة وسمعة كريم بنزيما، كما يشرحان. ومما يعرّضه لنوع من «الانتحار» الرياضي والاجتماعي. لقد بقي «مخلصاً» لصداقات الماضي من أبناء ضاحيته، ومن هذه الزاوية بالتحديد يرى المؤلفان أنه «يستحق الاهتمام».

طباعة Email