أوّل مشروع إمبريالي في التاريخ الإنساني

البرتغاليون في المحيط الهندي وحلم الإمبراطورية

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

كانت البرتغال هي البلاد الأوروبية الأولى التي ملكت أسطولاً بحرياً كبيراً وشرعت في تنفيذ عملية توسّع عبر القيام بغزو مناطق بعيدة عنها كثيراً.

ومما يذكره التاريخ أن البحّار والمكتشف البرتغالي «فاسكو دو غاما» قد اجتاز في نهاية القرن الخامس عشر، وتحديداً في عام 1497، «رأس الرجاء الصالح» ليكون بذلك الأوروبي الأوّل الذي يتوجّه بحراً نحو الهند.

وفي كتاب يحمل عنوان «الغزاة» يعود روجيه كراولي، خريج جامعة كمبردج والمهتم بتاريخ القرن السادس عشر، وخاصّة بالصراع الأوروبي ــ العثماني للسيطرة على البحر الأبيض المتوسّط وحوضه، تتم دراسة «كيف غزا البرتغاليون المحيط الهندي وأشادوا الإمبراطورية العالمية الأولى»، كما جاء في العنوان الفرعي لهذا العمل.

في هذا الكتاب يشرح المؤلف أن العمل الذي قام به فاسكو دو غاما وبحّارته عندما اكتشفوا الطريق البحري إلى الهند إنّما «توّجوا» جهودا كان البرتغاليون قد بذلوها قبل عقود سابقة هدفت إلى «الخروج من إطار المحيط الأطلسي» إلى ما هو اشمل وأوسع. وما يعبّر عنه المؤلف بـ«مشروع غزو العالم».

والإشارة بداية أن البلد الأوروبي «الصغير والفقير والهامشي في القارّة الأوروبية»، أي البرتغال، هو الذي انطلق منذ نهايات القرن الخامس عشر بـ«أوّل مشروع إمبريالي» في التاريخ الإنساني.

وشرح أن البرتغاليين استطاعوا أن يؤكّدوا تفوّقهم على جميع القوى الأخرى في المحيط الهندي وعلى المناطق الشاطئية المحاذية له. ذلك على بعد عشرات الآلاف من الأميال عن حدود بلادهم الصغيرة. هذا وكانوا بالوقت نفسه هم «الروّاد» في مجال بناء الأساطيل البحرية القوية والقادرة على منافسة الأساطيل الأخرى، حيث تبعهم خاصّة بعد ذلك الإنجليز والأسبان والفرنسيون على خلفية فكرة سادت آنذاك مفادها أن «من يسيطر على البحار يسيطر على العالم».

وينقل المؤلف عن الكاتب والشاعر البرتغالي فرناندو باسوا الذي عاش في نهايات القرن التاسع عشر قوله: «البحر الذي لا نهاية له هو بحر برتغالي». الأمر الذي لا يمنع واقع أن ذلك «الإنجاز البرتغالي التاريخي» اصبح اليوم طّي النسيان، كما يشير مؤلف الكتاب.

والإشارة أيضاً أن الاهتمام الكبير ينصب اليوم على اكتشاف العالم الجديد «أميركا» من قبل «كريستوف كولومب» الذي كان قد بلغ شواطئ القارة الأميركية عام 1492 بعد أن قطع مع بحارته حوالي 6000 كيلومتر، بينما أن البحّارة البرتغاليين كانوا قد قطعوا عبر المحيط الهندي ما يقارب الـ18000 كيلومتر.

وفي عودة للتاريخ ودروسه يشرح المؤلف كيف أن البحّارة البرتغاليين استعانوا بجميع المعارف الخاّصة بعالم البحار وحركات الرياح آنذاك وانطلقوا في حملاتهم على بعد آلاف الأميال من الشواطئ التي انطلقوا منها في البرتغال. هكذا تغلّبوا أوّلاً على الأسبان في «ممالك التوابل في الشرق» كما شرعوا بعد ذلك مباشرة ببناء أركان «إمبراطوريتهم البحرية المترامية الأطراف».

واستطاعوا بشجاعتهم وقدراتهم العسكرية و«مهارتهم باستخدام السيف» أن يثبّتوا مواقعهم في الهند وأن يمدّوا نفوذهم بعد ذلك وصولا إلى «ملقا». الاستراتيجية التي انتهجها البحّارة البرتغاليون في حملاتهم البحرية يحددها مؤلف الكتاب بأن «سيوفهم كانت دائما حتى نصفها فقط في غمدها». ذلك بمعنى التأهب دائماً لاستخدامها دون تأخير.

ومما يؤكّده المؤلف هو أن البرتغاليين قاموا بالكثير من المجازر في منطقة جنوب غرب الهند، حيث أرادوا أن يقيموا «مراكز لتجارتهم». ويشير أن «ورثة فاسكو دو غاما مارسوا القتل دون أن ينالهم العقاب». بالمقابل كانت لشبونة قد بدأت تظهر عليها ملامح الثراء بعد «وصول كنوز الحرير والعاج» من الهند.

أمّا الأدوات الأساسية التي استخدموها وكانت أحد الأسباب الأساسية في تفوّقهم على منافسيهم الآخرين للسيطرة على البحار يحددها المؤلف بعدد من «التكنولوجيات الجديدة»، خاصة على الصعيد العسكري مثل اختراع «المدافع المصنوعة من مادة البرونز».

وبالاعتماد على التجديد عموما استطاع البرتغاليون أن «يفاجئوا العالم أجمع» ويفرضوا هيمنتهم على البحار وعبر ذلك «السيطرة على التجارة العالمية»، الأمر الذي كان يشكّل أحد أهدافهم الجوهرية، وحيث كان المحيط الهندي آنذاك هو «المركز الأساسي لتلك التجارة».

إن المؤلف، ومن خلال تعرّضه لشرح الآليات التاريخية التي اعتمدتها البرتغال لفرض وجودها على المسرح العالمي خلال عقود عديدة من بدايات القرن السادس عشر، يقدّم على مدى صفحات الكتاب التي يزيد عددها على الـ 400 صفحة، التاريخ الأعم والأشمل لفترة مثّلت احد المنعطفات الرئيسية في التاريخ الإنساني الحديث برمّته.

هكذا يجد القارئ الكثير من التفاصيل عن «تاريخ الملاحة البحرية» والتكنولوجيا والمال«والدبلوماسية والسياسة والجاسوسية والمعارك البحرية وحطام السفن والمعاناة الإنسانية وأيضا وخاصّة «اللقاء بين الغرب والشرق» والكثير من المسائل الأخرى التي يتكرر الحديث عنها من خلال «المغامرة الإمبريالية» للبرتغال منذ عدّة قرون من الزمن.

ويشرح المؤلف أن البرتغال حققت بما أنجزته من غزوات بحريّة ما كان يرى فيه المعاصرون لذلك مجرّد «أحلام هي أقرب إلى الأوهام». لكنهم حققوا إنجازات كبيرة لمشروعهم وخلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، حيث قفزت مكانتهم بين أمم العالم آنذاك إلى مقدمة «المسرح العالمي». لقد «غدت البحار هي إمبراطوريتهم».

المؤلف في سطور

روجيه كراولي، خريج جامعة كمبردح، اختصاصي بالقرن السادس عشر، ينتمي إلى أسرة من البحّارة. أولى اهتمامه للعلاقات بين أوروبا والإمبراطورية العثمانية للسيطرة على البحر الأبيض المتوسّط وحوضه. من مؤلفاته: «القسنطينة: الحصار الكبير» و«ممالك البحار»...الخ.

طباعة Email