من الكتب التي تحتل منذ أكثر من سنة مكانة مرموقة في مختلف قوائم الكتب الأكثر انتشاراً في القسم الأكبر من البلدان الغربية كتاب يحمل عنوان «السحر الخفي للأمعاء» لمؤلفته الطبيبة الألمانية الشابّة جوليا انديرس، التي تعتبر فيه أن «الأمعاء»، هذا العضو «الأكثر جهلا به من الجسد الإنساني» هو بمثابة «الدماغ الثاني»..
كما يتم توصيفها. وفي نفس إطار البحث في «عالم الأمعاء» صدر قبل اسابيع قليلة كتاب في فرنسا يساهم فيه غابرييل بيرلموتير، الأستاذ الجامعي رئيس قسم أمراض الجهاز الهضمي في مستشفى «انطوان بيكلير» في ضاحية باريس الجنوبية وآن ماري كاسارد، الطبيبة ــ الباحثة في إطار نشاطات «المعهد الوطني الفرنسي للصحّة والبحث الطبي».
يحمل الكتاب عنوان «البكتيريات، أصدقاء مفيدون» ويبحثان فيه الجانب الإيجابي «صحيّا» لوجـــود البكتيريات في الجسد الإنساني.
يطرح المؤلفان في البداية عدداً من الأسئلة: كيف تتحكّم بنا البكتيريات منذ الطفولة المبكّرة؟ وكيف نحمي رأسمالنا من البكتيريات«المقيمة» في بدننا؟ هل يمكن اللجوء إلى العلاج بالاعتماد على البكتيريات الجيّدة؟ كيف ينبغي أن نفكّر بالنسبة للمضادات الحيوية ــ انتيبايوتيك ــ التي تقتل البكتيريات؟...الخ.
ينطلق المؤلفان من تأكيد أن الطفل يولد«معقّما». لكنه يتعرض خلال الثانية الأولى من حياته لـ«اجتياح» البكتيريات التي ترافقه طيلة حياته. وتبدأ عملية «العدوى» بالبكتيريات منذ عملية الولادة نفسها وخروج الوليد من رحم الأم. لكن ولحسن الحظّ تسود «حالة من التعايش التام» بين الإنسان والبكتيريات التي «تسكن» بعد ذلك باستمرار في «امعائه».
وعلى خلفية الصفات الإيجابية التي تكتسيها وظائف البكتيريات يرى المؤلفان أنه من الأفضل أن تمتنع النساء الحوامل عن تناول المضادات الحيوية ــ انتيبايوتيك ــ اعتبارا من الشهر الثالث بعد الحمل. ذلك على أساس أن المضادات الحيوية تقتل البكتيريات المفيدة وبالتالي تخلق نوعاً من خلل التوازن في المخزون البكتيري، وما قد تورّثه الأم لطفلها لاحقا.
والإشارة في هذا السياق أنه في حالات الحاجة القصوى التي تتطلّب من الأم تناول المضادات الحيوية فإنه ينبغي الحرص على أن يكون فعلها على «أضيق طيف ممكن» من أجل المحافظة على الحد الأقصى الممكن من البكتيريات ذات التأثير الجيّد بالنسبة للدفاع عن الجسد. والإشارة أيضاً في هذا السياق أن «الولادة عبر الجراحة القيصرية» لها بعض الإيجابيات.
ويشرح المؤلفان في هذا السياق أن هناك خطأ شائعا مفاده أن حليب الأم معقّم. لكن الواقع، كما يشيران، يدل على أن الطفل الذي يتناول 800 ميليغرام من حليب أمّه يوميا يُدخل إلى بدنه أيضا 100 ألف إلى 10 ملايين من البكتيريات من أمّه. ذلك بالإضافة إلى أنواع من السكريات «النوعية» التي تساعد على تنويع «البكتيريات».
من هنا تتم الإشارة أنه في حالة عدم تمكّن الأم من إرضاع طفلها «لا يكون من غير المنطقي» تزويد الرضيع بحليب يتم إثراؤه بمكونات بيولوجية تجعله قريبا من حليب الأم.
ما يؤكّده المؤلفان ــ الطبيبان هو أن البكتيريات الموجودة بأعداد هائلة في أحشائنا «يطيب لها المقام في أمعائنا» حيث تعمل باستمرار «بعيداً عن البطالة» ولها تأثيرها على مختلف اعضاء الجسد، و«خاصّة على الدماغ».
بهذا المعنى تقدّم لنا «البكتيريات» الكثير من «الخدمات» الاستثنائية. ذلك أنها «رغم السمعة السيئة جدا التي تكتسي بها» فإنها «مفيدة لنا» وتوفّر لنا الحماية من الكثير من الأمراض التي تهددنا باستمرار.
قائمة «الفوائد والخدمات» التي تقدّمها البكتيريات للإنسان كثيرة. ولا يتردد المؤلفان في القول إن «أصدقاءنا البكتيريات تساعدنا على الهضم وتحمينا من الجراثيم الضارّة، وهي تدافع عنّا بشكل خاص ضد البدانة وأمراض الحساسية وآلام البطن وأمراض الجهاز الهضمي». كما أنها تساهم في «تصنيع الفيتامينات التي لا يستطيع البدن تركيبها» و«تشارك في تعزيز جهاز المناعة» و «نزع سميّة بعض المواد التي يأكلها البشر».
ومن التوصيفات التي يؤكّد عليها المؤلفان أن المكان الذي تتواجد فيه «أكبر كثافة للكائنات الحيّة ليس بعيدا عن إي إنسان. ذلك أن المكان المعني يتمّثّل في أمعائنا. والإشارة أنه يتواجد 100000 مليار من «العاملين الصغار ــ البكتيريات» وحوالي 1.5 كيلوغرام من الجراثيم ــ الميكروبات ــ تقطن في «الانبوب الهضمي» البشري. هذه الميكروبات تجد طريقها إلى الأمعاء منذ الولادة.
ومما يتم تأكيده أن التطوّر الذي عرفته الإنسانية خلال الفترة السابقة نجم عنه تطوّر أيضا بالنسبة لـ«التوازن البكتيري». ذلك بالتوازي مع تغيّر كبير في أنماط التغذية باتجاه زيادة كبيرة في المواد الدسمة والسكريات ومع زيادة كبيرة في الأسفار والهجرات ومع زيادة اللجوء إلى المضادات الحيوية.
نتيجة ذلك كلّه كانت فقدان عدد كبير من بعض البكتيريات مما كان له نتائج «لم يتم الانتباه لها في البداية» لكنها غدت اليوم أكثر وضوحا. ذلك «في التوازن» على الصعيد البكتيري كان له آثاره على صعيد زيادة البدانة ومرض السكّري وأمراض القلب والأمراض النفسية...الخ.
ويذهب المؤلفان إلى التأكيد أن البكتيريات الحميدة قد تقوم أحيانا بدور «الحماية» من «أمراض القلب»، كما من بعض الأورام السرطانية. هذا فضلاً عن الدور المساعد الذي تلعبه في تغيير أنماط السلوك الضارّة. بالإجمال يشرح المؤلفان بأشكال مختلفة على مجمل صفحات هذا الكتاب أن «هؤلاء العاملين الصغار ــ البكتيريات ــ هم في عداد حلفائنا».
المؤلفان في سطور
غابرييل بيرلموتر أستاذ جامعي في كليّة الطب ورئيس قسم أمراض الجهاز الهضمي في مستشفى انطوان بيكلير بإحدى ضواحي العاصمة الفرنسية باريس. يدير أحد مراكز البحث حول البكتيريات. له العديد من المساهمات العلمية.
آن ــ ماري كاسارد باحثة في مجال البكتيريات في «المعهد الوطني الفرنسي للصحّة والبحث الطبي».

