تمثل الرأسمالية، حسب التعريف الشائع المقبول عموماً، إحدى أشهر المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شهدها التاريخ الإنساني في العصر الحديث.
هذا مع الإشارة إلى أن هذا التعريف شهد الكثير من التعديلات والصياغات تبعاً للأمكنة والأزمنة، بل وتبعاً لتفسيرات الأشخاص وأمزجتهم. هذا مع الاحتفاظ في جميع الحالات بقبول أن جوهرها يتمثّل في تكدّس رؤوس الأموال «المنتجة» وتحقيق الأرباح من ذلك.
وتحت عنوان «الرأسمالية.. المنافسة والنزاعات والأزمات» يقدّم أنور شيخ، الاقتصادي الأميركي من أصل باكستاني وأستاذ الاقتصاد في كلية الدراسات العليا بمدينة نيويورك، كتاباً يزيد عدد صفحاته على 1000 صفحة. وأشار المؤلف إلى أنه أمضى مدّة 15 سنة في البحث والتنقيب لإنجاز هذا العمل.
المؤلف يولي في هذا العمل الضخم اهتمامه الرئيسي لدراسة «الرأسمالية الحقيقية» وآليات عملها في الواقع وليس إعطاء الأهمية الأولى للمسائل ذات الطابع النظري التي تميل في الكثير من الأحيان لإصباغ صيغة «مثالية» أو لتوجيه «النقد» للمنظومة الرأسمالية. وبالإجمال يقدّم المؤلف نظرة جديدة فيما يتعلّق بتحليل اقتصاد السوق الرأسمالي.
وفي جميع الحالات التي يشرع فيها أنور شيخ في دراسة هذا الجانب النظري والمفاهيمي للرأسمالية أو ذاك، ومختلف المقولات التي قدّمها آباء الفكر الرأسمالي مثل «سميت» وريكاردو وكنزي وغيرهم، يلجأ باستمرار إلى «اختبار» كل الحجج النظرية الرئيسية على أساس «الواقع التجريبي».
ولا يتردد المؤلف في تأكيد أنه يريد لهذا العمل أن يشكّل «مقاربة مختلفة جداً عن الاقتصاد الكلاسيكي وعن مختلف الأنماط المتنوّعة المستجدة في بحث المسائل الاقتصادية». هكذا ينأى أنور شيخ عن المقاربات الاقتصادية التي تنطلق من مقولات «المجتمعات الكاملة والأفراد الكاملين والسلوك الفردي الكامل.. إلخ». وينطلق بالمقابل مما يصفه بـ«السلوك الإنساني الحقيقي»، بكل ما يمثّله من احتياجات ومشاعر وانفعالات وليس من «الإنسان الاقتصادي المزعوم».
ويحدد المؤلف في مقدّمة الكتاب أنه يريد من هذا العمل «استنباط النظرية الاقتصادية من العالم الحقيقي ثم تطبيقها على مشكلات العالم الحقيقي». وهو يطبّق ذلك على المسائل الاقتصادية الأساسية الكبرى. وعلى رأسها تلك المتعلّقة بالعرض والطلب وبالأسعار الخاصّة بالمنتجات والخدمات وبأسعار الفائدة وبتأثيرات التبدّلات التكنولوجية الكبرى.. إلخ.
وهذا يعطي أهمية خاصّة بالنسبة للمهتمّين بصياغة السياسات الاقتصادية على مختلف مستوياتها أو الباحثين عن فهم آليات عمل الرأسمالية بـ«نسختها» الحالية.
ويشير أنور شيخ إلى أنه يستلهم عملياً تلك الحلول من مسار التطوّر التاريخي ومن النماذج التجريبية التي عرفتها المنظومة الرأسمالية منذ ظهورها حتى اليوم. وبالاعتماد على «المنافسة الحقيقية» كما يفرضها الواقع وليس من «المنافسة» كمفهوم اقتصادي نظري عام.
والتركيز باستمرار على ما يعتبره المؤلف بمثابة «الإجراءات - المفاتيح» التي تترك آثارها الدائمة في الحياة الاقتصادية. ذلك مثلاً على غرار تبنّي الإجراء الشهير الخاص بتقييم سعر الذهب بالدولار الذي يشكل «الإجراء الأساسي للقيمة في الرأسمالية الحديثة».
وبالنسبة لـ«الأزمات» في ظل الرأسمالية، فإن المؤلف يكرّس لها الكثير من الصفحات. ذلك خاصّة بالنسبة لسبل التعرّف إليها وهي في المراحل الجنينية من تشكّلها. ويحدد القول إنه «على مستوى الشكل الظاهري» بالنسبة للأزمة الأخيرة التي انفجرت انطلاقاً من الولايات المتحدة في خريف عام 2008، يوحي ما جرى أن الأمر يتعلّق بأزمة «إفراط في التمويل».
لكن هذا لا يدل، حسب رأي من يصفهم المؤلف بـ«الكينزيين ــ أتباع أفكار كينزي» و«ما بعد الكينزيين»، على السبب الحقيقي لنشوب تلك الأزمة. بل يتم تحميل مسؤولية الأزمة الراهنة لـ«التفاوت الكبير في الدخل» ولـ«البطالة». وبالتالي يتم التأكيد بناء على ذلك أنه ينبغي الاستمرار في تثبيت الأجور وانتهاج سياسة ضريبية ومالية تسمح بالمحافظة على فرص العمل.
لكن أنور شيخ يرى أن انتهاج مثل تلك السياسة لا يمكنه، على صعيد الولايات المتحدة على الأقل، أن يكون فاعلاً بسبب حركة «المردودية» التي تمثّل برأيه حجر الزاوية في الرأسمالية. بالتوازي مع ذلك، أدّى الانخفاض الكبير على صعيد أسعار الفائدة في سنوات الثمانينات المنصرمة إلى «تعاظم سياسة الإقراض». وفي المحصّلة العامّة يرى المؤلف أن سياسات الميزانية التي تمّ تبنيها في الولايات المتحدة الأميركية لم تسمح بالمحافظة على النمو الاقتصادي.
رؤية شاملة
يطوّر المؤلف في مختلف فصول هذا الكتاب النظريات الاقتصادية الشائعة ويناقشها مع المعطيات التي يبرزها الواقع الحقيقي. هكذا يناقش في مثل هذا السياق ما يصفه بـ«المنافسة الحقيقية» ويطبّقها بالنسبة للأسعار وهوامش الربح ومعدلاته والعرض والطلب وغير ذلك من المسائل الاقتصادية. والكتاب قد يغدو في المستقبل القريب جداً بمثابة مرجعية أساسية في الفكر الاقتصادي الرأسمالي الحديث، وموضع اهتمام استثنائي بالنسبة للدارسين وواضعي السياسات الاقتصادية.
المؤلف في سطور
أنور شيخ اقتصادي أميركي من أصل باكستاني، من مواليد كراتشي عام 1945 ــ وأستاذ للاقتصاد في كلية الدراسات الاقتصادية العليا في نيويورك. يولي اهتمامه لدراسة النظريات الاقتصادية الخاصّة بالتمويل والتجارة الدولية والاقتصاد السياسي، من مؤلفاته «العولمة وأسطورة التجارة الحرّة» و«شرح الأزمة المالية العالمية»..الخ.
