غدت كرة القدم وملاعب ومدرّجات كرة القدم أحد رموز المجتمع العالمي «المعولم». وغدا مئات الملايين يشاهدون المباريات التي تجري في إطارها من خلال الشاشات الصغيرة في بيوتهم.

ومن المعروف أيضا أن عالم الكرة المستديرة اصبح أحد مجالات الاستثمارات المالية الكبرى على الصعيد العالمي. من هنا زاد الاهتمام بكرة القدم وعالمها ومختلف النشاطات ذات العلاقة بها، وليس أقلّها شأنا الجانب المعماري والبعد التكنولوجي.

إن «ما رك بيرلمان»، الأستاذ الجامعي في المنطقة الباريسية ومؤلف العديد من الكتب حول الرياضة بصورة عامّة وكرة القدم وعالمها بصورة خاصة، يكرّس كتابه الأخير لـ«الملعب - المدرّج الذكي»، كما جاء في عنوانه الرئيسي. وهو يطلق على هذا الملعب توصيف «الملعب الرقمي للاستعراض الرياضي»، حسبما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.

تتوزع مواد هذا العمل بين ستة فصول وخاتمة. يحمل الفصل الأول منها عنوان «العالم الرقمي يجتاح الملاعب»، ثم فصل عنوانه «من شاشة التلفزيون إلى ملعب الشاشة» وثالث يبحث في «الطفرات المجالية والزمنية للملاعب». ويحمل الفصل الرابع عنوان «بناء ملعب الاستعراض» يليه فصل عن «التكنولوجيا الرقمية وجمالية الملاعب». وعنوان الفصل الأخير هو «انفعالات رياضية». أمّا خاتمة الكتاب فتحمل عنوان «ملعب كرة القدم النهائي».

ويلاحظ المؤلف في نقطة انطلاق تحليلاته أن ملاعب كرة القدم ومدرّجاتها غدت «على تقاطع الطرق بين تكنولوجيات أُعطيت مسحة جمالية، وجمالية تتمتع بمسحة تكنولوجية عالية». هذا ما تدلّ عليه الملاعب الكبرى التي يدرسها في مختلف بلدان العالم.

ومن الأفكار التي يؤكّد عليها المؤلف أن السنوات الأخيرة عرفت «تطورا كبيرا» بالنسبة لجمهور مشجعي كرة القدم. و«خاصة بالنسبة لبريطانيا»، كما يشرح. ويكتب:«إن جمهور الملاعب تطوّر كثيرا».

ويحدد المؤلف القول إن انجلترا «بعد أن اتخذت إجراءات ضد المشجّعين المشاغبين الهوليغان ــ ابتداء من منهع المشروبات الكحولية ثم إنشاد أغاني وشعارات ذات طبيعة عنصرية وأخيرا منع إلقاء المواد المختلفة على أرض الملاعب ــ في الملاعب، جمهورها تغّير بسرعة أكثر من جمهور بقيّة البلدان. ذلك خاصّة بسبب أن أسعار الدخول إلى الملاعب لرؤية المباريات تضاعفت ما بين عشرة وعشرين ضعفاً، وبالتالي أصبح بمقدور شريحة قليلة دفع المبلغ المطلوب».

ويشير أنه «تمّ إحصاء 12000 ملعب ــ مدرّج لكرة القدم في العالم اليوم متواجدة في224 بلداً. وتزيد قدرة كل مجمّع منها على تأمين الجلوس لـ3000 متفرّج ــ مشجّع على الأقل. ذلك بالإضافة إلى»100 ملعب - مدرّج أخرى هي بطور البناء«. ويضيف» يمكن القول اليوم أن الملعب ــ المدرّج أضحى في بداية هذه الألفية الجديدة الرمز الأكثر تعبيرا وتمثيلا لمجتمع معولم مفرط في سمته التكنولوجية«.

ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات أن»أغلبية قطاعات الاقتصاد المعولم غيّرت من طريقتها في العمل، والعصر الرقمي أصبح واقعيا مصدر تهديد حقيقي لجميع أنماط عمل الاقتصاد القديم«. والتأكيد أن النشاطات الرياضية، وعلى رأسها الكرة المستديرة، هي من القطاعات المعنيّة.

ويشير المؤلف بهذا الصدد إلى أن الأمر لا يقتصر على ما يجري فعلياً على أرض الملاعب، ولكن أيضا يشمل العالم»الافتراضي«الذي ولّدته الثورة الرقمية، وهذا ما تدلّ عليه ظاهرة»ألعاب الفيديو الرياضية«التي تستخدم في برامجها اسماء اللاعبين أو اسماء البلدان والفرق كأحد النشاطات التي تعرف ازدهارا كبيرا في هذا العصرالرقمي.

نقرأ:» إن انتشار العالم الرقمي عبر الحواسيب هو الظاهرة الجديدة، الفريدة، والتي يبدو أنها غدت راسخة ومتأصّلة وليس هناكما يشير أنه سيتم الرجوع عنها في المدى المنظور. بل أن البعض يرون بها «ثورة ومسارا حضاريا يرغمنا على اتخاذ موقف، بعيدا عن التأييد أو الرفض». ولكن تحليل الظاهرة ورهاناتها في مجتمعاتنا«. وهذا ما يحاول المؤلف أن يفعله انطلاقا من واقع»ملاعب الرياضة في العصر الرقمي«.

ولا يتردد مارك بيرلمان أيضا في توصيف ملعب كرة القدم»المعاصر«بمختلف إنشاءاته ومكوناته بأنه قد أدرج في تجهيزاته التكنولوجيات الرقمية. هكذا جعل من الرياضة»استعراضا كاملا«وغدا هو نفسه»مادة للاستعراض«. والنتيجة هي أن المشاهدين للمباريات الرياضية أصبحوا هم أيضا يعيشون موزعين بين»شاشاتهم«وبين ما يجري أمامهم في الملاعب. وأنهم غدوا بالنتيجة»أكثر تبعية«للقواعد التي يفرضها العصر الرقمي السائد.

ويتحدث المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب عمّا يسميه» ثقافة كرة القدم - الاستعراضية«التي تتمتع بـ»قوّة جذب كبيرة«. والإشارة أن»جميع قادة بلدان العالم يريدون تنظيم تظاهرات رياضية في بلدانهم«. ومن بين هؤلاء الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولاند.

ويشير مارك بيرلمان أن الرئيس هولاند لم يتردد في أن يكرر مرّات ومرّات الحديث عن بطولة أوروبا لكرة القدم التي ضمّتها بلاده في صيف هذا العام 2016 وعن الرياضة بشكل عام، وينقل عنه قوله:»في الملعب - المدرّج لا يكون المرء وحيدا أبدا. والجمهور هو صحبة ممتازة«.

في المحصّلة، ومن خلال سلسلة من الأمثلة من الملاعب ــ المدرّجات الفرنسية والأوروبية الحديثة»، يشرح مؤلف هذا الكتاب كيف أن التكنولوجيات الرقمية «اجتاحت» مختلف جوانب حياة البشر. وغدا الملعب ــ المدرّج «بمثابة مدينة صغيرة رقمية». وبالتوازي غدا الفرد في العالم الرقمي الراهن «تابعا» حيثما كان ومهما تكن النشاطات التي يمارسها «تابعا» في رؤيته للرياضة وغيرها لما تقدمه له مختلف شبكات المعلوماتية.

ويتم التأكيد في هذا الكتاب أن «ملاعب كرة القدم المحشوّة بالتكنولوجيا الرقمية هي بصدد التحوّل إلى مكان لتمركز التكنولوجيات المتقدمة». والإشارة أن هذه «السيطرة التكنولوجية» تمتلك بالتالي أيضا «جمالياتها التكنولوجية». ثم التأكيد أن «المشجعين في الملاعب يصبحون هم أنفسهم جزءاً من المشهد الاستعراضي». هذا من خلال أن «حضورهم نفسه في الملاعب» هو نفسه «مشاركة في الاستعراض».

المؤلفة في سطور

مارك بيرلمان هو أستاذ في جامعة «نانتير» بإحدى ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، وقدّم حوالي 40 كتاباً، من ضمنها «الملعب ــ المدرّج البربري: رعب العرض الرياضي» و«كرة القدم: جموح انفعالي» و«الكتاب الأسود للألعاب الأولمبية في بكين»...الخ.