هناك نزعة قوية في الغرب لربط تاريخ العالم بالحضارة الغربية واستبعاد أو استثناء الأمم الأخرى من المساهمة في هذا التاريخ.
لكن هذا لا يمنع واقع أن عدداً من المؤرّخين الغربيين يسعون للتأكيد أن للعالم تاريخاً آخر غير ذلك الذي صاغه الغرب، ويكرّسون الكثير من جهدهم لإظهار الدور الذي لعبته أمم أخرى ليس أقلّها شأناً الصينيين والعرب والهنود وغيرهم.
وهذا بالتحديد ما يكرّس له «تونيو اندريد»، المؤرّخ والأستاذ في جامعة ايموري بولاية اطلنطا، كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «عصر البارود» الذي يبيّن فيه كيف أن الصين سبقت الغرب في اختراع العديد من المنتجات التي غيّرت مجرى التاريخ الإنساني. وهو يدرس على مدى ما يزيد على 400 صفحة «الصين والتجديد العسكري وصعود الغرب في تاريخ العالم»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
وينطلق المؤلف في تحليلاته لدور الصين في صياغة تاريخ العالم والحضارة العالمية بتأكيد واقع مفاده أن الصينيين كانوا قد اخترعوا البارود وشرعوا باستخدام جيشهم كـ«أداة عسكرية» لمدّ نفوذهم في العالم اعتباراً من نهايات القرن التاسع، أي قبل ظهور بوادر التقدم التكنولوجي في الغرب بأربعة قرون على الأقل. بهذا المعنى يكتب المؤلف أن «الحروب الحديثة بدأت في الصين مع اكتشاف البارود حوالي عام 1000 الميلادي».
بكل الأحوال يؤكّد المؤلف في شروحاته أن «الهوّة الحضارية» بين الغرب والصين، وآسيا عموما، هي «أقل بكثير» مما يقال ويتكرر باستمرار في العالم الغربي. يكتب ما مفاده: «إن الحقبة الحديثة عرفت خلال الفترة الواقعة بين عام 1500 و1700 نوعاً من التكافؤ والتعادل بين سكان شرق آسيا ــ بما في ذلك الكوريون واليابانيون ــ وبين الأوروبيين».
ومما تتم الإشارة له أنه في مطلع القرن الرابع عشر كانت السياسة الصينية تنص على تزويد نسبة 10% من جنود المشاة ببنادق نارية، وتمّ رفع هذه النسبة إلى 30 بالمئة في الثلث الثالث من نفس القرن. مثل هذه النسبة لم تبلغها أوروبا إلاّ في أواسط القرن السادس عشر. تجدر الإشارة أن المؤلف يستقي معلوماته عن الصين، كما يشير في البداية، من مصادر ذات لغات متعددة.
لكن «تونيو اندريد» يرى أن ذلك الواقع «المثبت تاريخياً» حول أسبقية اختراع الصين للبارود لا يعني أن الصين أثبتت نفسها كقوّة عسكرية «لا تُقهر». ذلك أنه في بدايات القرن التاسع عشر كانت قد أصبحت في مراتب متأخرة بالقياس إلى الغرب على صعيد القوة العسكرية وصناعة مختلف أنواع الأسلحة. الدليل على ذلك التفوّق يجده المؤلف في «الانتصار السهل» الذي حققته بريطانيا على الصين في «حرب الأفيون»، التي استمرّت خلال سنوات 1839 ــ 1842.
في مثل هذا السياق يطرح مؤلف الكتاب سؤالاً جوهرياً حول الأسباب التي سمحت للغرب المتأخر في سياق تاريخي معيّن أن يتقدّم بينما أن الصين المتقدّمة وجدت نفسها في الصفوف الخلفية من صانعي التاريخ؟. أو على الأقل هذه هي الفكرة المأخوذة عنها في العالم الغربي.
ولا يكتفي المؤلف بطرح هذا السؤال الذي يرى أنه يمكن طرحه أيضاً بالنسبة للعديد من الحضارات الأخرى التي كانت بمثابة مشاعل في زمن ما، ثم تقهقرت وتراجعت عن مقدّمة المسرح العالمي إلى الصفوف الخلفية بين جوقة الأمم الكبرى. ومما يشير له المؤلف أنه من غير المقبول القيام بعملية، إسقاط للحاضر، الذي يهيمن فيه الغرب اليوم على المسار التاريخي العالمي كله.
والتأكيد بالمقابل بأشكال مختلفة أن الصين تابعت سبل التجديد التكنولوجي، العسكري، على مدى عدّة قرون وسبقت الغرب كثيراً في هذا المضمار. ذلك على عكس ما تقول به، المفاهيم الغربية التقليدية، بالنسبة لمسار التاريخ، حيث تؤكّد على التفوّق الغربي المطلق في العالم منذ نهاية القرون الوسطى. هذه المفاهيم التي تجد ما يدعمها في الهزيمة العسكرية، المهينة، للصين في حرب الأفيون بمواجهة الجيش الإمبراطوري البريطاني.
إن مؤلف هذا الكتاب يقدّم سلسلة من البراهين التي تصب بمجملها في إثبات أن الصين لم تكن هي التي اخترعت البارود قبل الغرب بفترة طويلة وحسب، ولكنها أيضاً هي التي اخترعت الأسلحة التي تستخدم تلك المادة الانفجارية الجديدة من بنادق وقبائل وكانت قد حققت تقدّماً كبيراً على صعيد، التجديد العسكري في السلاح والعتاد.
من الأفكار الأساسية التي تتردد في تحليلات المؤلف أن الصين كانت في مقدّمة أمم العالم التي اخترعت أدوات القوّة والحرب وبنت قوّة عسكرية حقيقية وعرفت رغم ذلك العديد من الهزائم. هذه الهزائم بالتحديد هي التي بنى عليها المؤرخون الغربيون ــ وبعض الصينيين ــ فكرة أن الصين، لا تتقن فن الحرب وثقافتها.
هذا كلّه أيضاً يتعارض أيضاً، كما يشير المؤلف، مع المفاهيم التاريخية الغربية التي تقول إن تعاليم كوفوشيوس، حكيم الصين الشهير، أبعدت البلاد عن الاهتمام بالمسائل العسكرية والحربية، فالعكس هو الذي يثبته الواقع، من هنا يمثّل هذا الكتاب بأحد وجوهه نوعاً من الدعوة للباحثين الغربيين أوّلاً وأساساً لإعادة قراءة، التاريخ الصيني.
