تردد الحديث كثيراً عن «الحلم الأميركي»، وعن أميركا وكونها بلد الثروة والثراء الذي يمكن للجميع أن يحققوه بجدّهم وعملهم. ولكن أميركا ليست فقط كذلك، وليست فقط مانهاتن وهوليوود ولاس فيغاس وغيرها من الأحياء والأماكن الثرية الشهيرة على صعيد العالم. بل هي أيضاً بلد الأحياء الفقيرة والفقراء الذين يفتقرون في أحيان كثيرة لمأوى ثابت يقيمون فيه.

هذه الشريحة التي تتعاظم أعدادها بعد انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في خريف عام 2008 هي التي يطلق عليها ماتيو ديسموند، الأستاذ في جامعة هارفارد والباحث الاجتماعي، توصيف «المطردوين». و«المطرودون» هو عنوان كتابه الذي يناقش فيه مسائل «الفقر والكسب في المدن الأميركية»، كما يقول عنوانه الفرعي.

«الفقر» في هذا الكتاب يمثّله أولئك الذين يبحثون عن سقف ــ مسكن يؤويهم بأي ثمن، حيث يجدون أنفسهم «مطرودين» مرّة تلو أخرى. و«الكسب» تمثله تلك المبالغ الكبيرة التي يجنيها عدد من مالكي الشقق وغيرها من المساكن التي تفتقر إلى الحد الأدنى من المواصفات الصحية ويقومون بتأجيرها بمبالغ «باهظة» لجموع «المطرودين» الباحثين عن مأوى.

إن مؤلف هذا الكتاب يدعو قارئه لاصطحابه إلى الأحياء الأكثر فقراً - الأحياء القصديرية - في مدينة «ميلواكي»، أكبر مدن ولاية «وسكنسون» الأميركية، حيث كان قد أمضى وقتاً طويلاً وهو يسجّل مشاهداته المباشرة، بعد أن كان هو نفسه قد أقام في موقع مكرّس لتأجير العربات المكرّسة للسكن.

ومدينة «ميلواكي» يسكنها مع ضواحيها ما يزيد على مليوني نسمة، وتقع على بعد نحو 150 كيلومتراً من مدينة شيكاغو. وهناك نحو نسبة 40 % من سكانها تعود أصولهم لأميركيين من أصول إفريقية. وفيها نسبة مهمّة من ذوي الأصول الألمانية والبولندية والأيرلندية والفرنسية وغيرهم.

وهناك نسبة تقارب 18 % من السكان يعيشون في مستوى «دون عتبة الفقر»، ويقطنون في الأحياء القصديرية المحيطة بالمدينة. هؤلاء بالتحديد هم الذين يجعلهم المؤلف موضوع اهتمامه في هذا الكتاب بوصفهم «التعبير البليغ» عن الفقر في الولايات المتحدة الأميركية.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى الرأي الشائع لدى الشرائح الأميركية الميسورة بأن «الفقراء الذين يعيشون في أحضان البؤس هم الذين قاموا أصلاً بخيارات سيئة»، وبالتالي هم المسؤولون عن فقرهم.

ويقدّم المؤلف على مدى قسم مهم من الكتاب «قصّة ثماني عائلات» تعيش على حافة الفقر المدقع. ومن بينها أسرة «آرلين» التي تعيش وحدها مع طفلين وعليها أن تؤمّن معيشتهم. ووجدت نفسها ذات يوم شتائي مع طفليها في العراء، حيث كان البرد قارساً.

ذلك بعد ما كانت قد وجدت نفسها أمام خيار «قرره القضاء ونفّذته الشرطة» بدفع 350 دولاراً قيمة الإيجار أو «الشارع». وبما أنها «لم تكن تملك 350 دولاراً اختارت الشارع». ثم اصطحبت ولديها ــ جوري 13 سنة، وجافاريس 5 سنوات ــ إلى مأوى جماعي لـ«من لا مأوى لهم».

و«سكوت» الممرّضة التي دفعتها ظروف حياتها إلى إدمان المخدرات.

و«لورين»، ابن الرابعة والخمسين الذي يمضي شهراً كاملاً وهو يتناول وجبة واحدة لا تتغيّر. و«لامار» الذي فقد إحدى ساقيه. ويصفه المؤلف بأنه كان ذات يوم يمضي الوقت في التسلية مع أبنائه وبعض شباب الحي عندما سمع ضربات على الباب فقفز إلى ذهنه مباشرة أن «الطارق هو أحد اثنين: مالك البيت أو مأمور الشرطة».

و«لامار» مثلاً يكسب شهرياً 628 دولاراً، وقيمة الإيجار الذي يدفعه هي 550 دولاراً، أي ما يترك له كل يوم 2،19 دولار من أجل نفقات الأسرة كلّها». ومما ينقله عن «لامار» أنه عندما شاهد للمرّة الأولى الحجرتين اللتين يسكنهما وصفهما أنهما «كانتا بمثابة مأوى للصراصير. والقذارة في كل مكان».

مقابل هؤلاء «المستأجرين»، هناك مالكان اثنان هما «شيرينا تاير»، معلّم المدرسة السابق الذي تحول إلى العمل في قطاع تأجير الأبنية؛ و«توبين شارني» الذي يدير موقعاً في «ميلواكي» يضع فيه بعض العربات ــ المساكن المنقولة ــ الكرافانات. هذان المالكان يتحكمان إلى حد كبير بمصير النماذج البشرية التي تستأجر لديهم.

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يركّز اهتمامه على نماذج محددة من المستأجرين والمالكين، فإنه يعتبر هؤلاء بمثابة مؤشرات على ظاهرة أعمّ وأشمل في الولايات المتحدة الأميركية. ويشير إلى أنه حتى في المدن الأميركية النائية لم يكن يتم اللجوء بسهولة إلى عمليات «طرد المستأجرين إلاّ نادراً».

لكن هذا لا يمنع واقع أن أغلبية الأسر والمستأجرين الفقراء غدوا «ينفقون أكثر من نصف دخلهم للسكن». كما أن عمليات «الطرد» غدت تتم بكثرة وبـ«صورة اعتيادية». ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن هذه المشكلة غدت في مقدمّة التحديات التي تواجهها أميركا اليوم.

وتبدو هذه المشكلة أكثر تعقيداً في كون أن الكثير من المحتاجين من أفراد وأسر يقبلون السكن بأسوأ الشروط الصحيّة ولا يترددون كثيراً أيضاً في قبول السكن في «أكثر الأحياء خطورة». ومثل هذا الواقع يزيد من فجوة التباين الاجتماعي بين الأميركيين فيما بينهم. والوصول إلى نتيجة مفادها أن هذا لا بدّ أن يكون له «ثمن بشري غال جداً» اليوم، وأكثر مستقبلاً.

ويجمع مؤلف هذا الكتاب بين مختلف النماذج التي يقدّمها لـ «المهددين باستمرار بأن يجدوا أنفسهم في الشارع»، وأنهم «ينفقون جميعهم جميع ما لديهم من إمكانات تقريباً، وما يعادل ما بين 70 إلى 80 % من دخلهم، من أجل دفع أجرة المكان الذي يؤويهم، وهم يدفعون ذلك غالباً مع بعض التأخير.