إلى أين تذهب مسيرة الاتحاد الأوروبي؟ هذا سؤال يتردد في أذهان الكثيرين ويطرحه البعض بوضوح وصراحة.. يتفق الجميع على القول إن هناك أزمة كبيرة تواجه البناء الأوروبي القائم ممثلاً بالاتحاد الأوروبي الذي يضم اليوم 27 بلداً أوروبياً. ولكن يختلفون فيما ستؤول إليه هذه الأزمة. والإجابة تتوزّع عملياً في اتجاهين أساسيين.
الاتجاه الأول يميل القائلون فيه إلى أن الأفق قاتم والتهديد بانهيار الاتحاد الأوروبي حقيقي. ويرى أنصار الاتجاه الآخر أن أوروبا الموحّدة هي حظ للقارة وأنه ينبغي بذل جميع الجهود من أجل إنقاذ مسيرة التوحيد الأوروبي. وهؤلاء وأولئك قدّموا العديد من الكتب دفاعاً عن رؤيتهم لمستقبل الاتحاد الأوروبي.
في عداد هذا الاتجاه المطالب بالدفاع عن المستقبل الأوروبي الموحّد وزير الشؤون الأوروبية في الحكومة الإيطالية «ساندرو غوزي»، الذي يحمل شهادة الدكتوراه في القانون بعد دراسة العلاقات الدولية. وهو أحد أفضل العارفين بالملف الأوروبي.
كان قد عمل كمساعد للمفوض الأوروبي الأسبق الإيطالي «رومانو برودي». ويساهم «غوزي» في النقاش الدائر بكتاب يحمل عنوان «جيل أراسموس»، ويقصد بذلك عدداً من أبناء الجيل المعني الذين «وصلوا إلى السلطة» في بلدان أوروبية، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.
«أراسموس» هو الاسم الذي تمّ إطلاقه على برنامج تبادل الطلبة والمدرّسين بين الجامعات والمدارس الأوروبية الكبرى. وكان بمثابة أحد النشاطات الأوروبية المشتركة على مستوى التعليم الجامعي. تجدر الإشارة أن اسم «أراسموس» يعود لـ «ايراسم»، الراهب الهولندي ذي النزعة الإنسانية الذي عاش في نهاية القرن الرابع عشر وبدايات القرن الخامس عشر.
في الصفحات الأولى من الكتاب يدعو المؤلف قارئه لولوج «كواليس السلطة» على الصعيد الأوروبي ومساراتها منذ بداية مشروع مسيرة التوحيد. وهو يبيّن مدى عمق «التغير الجذري، الراديكالي الذي يعرفه المشهد الأوروبي اليوم». والسمة الرئيسية لهذا التغيّر يجدها في «وصول جيل جديد من القادة الذين كانوا قد استفادوا أكثر من أي جيل آخر من أوروبا». جيل يصفه بأن «أوروبا منقوشة على حمضه النووي ــ D N A».
ويعتبر المؤلف أن أبناء هذا الجيل الذين وصل بعضهم إلى السلطة كـ «ورثة لجيل الآباء المؤسسين» للاتحاد الأوروبي هم الذين تلقى على كاهلهم مهمّة «بناء أوروبا الغد». ذلك أنهم عاشوا «أفضل فترات أوروبا الموحّدة» بينما كان المؤسسون الأوائل قد «عاشوا أسوأ فتراتها»، ذلك أنهم الجيل الذي شهد الحروب والمجازر الجماعية على صعيد القارّة.
ويشرح المؤلف أن «المؤسسين» قدّموا مع ذلك جهودهم لتحقيق «الخيار الأوروبي» خلال ما يزيد على نصف قرن من الزمن. أمّا الجيل الذي جاء بعدهم، «الجيل الوسيط» حسب توصيف المؤلف، فلم ير في «أوروبا الموحّدة» سوى «خيار سياسي بين خيارات عدّة». ويرى المؤلف بالتالي أنه من واجب الأجيال الحالية أن «تتابع مسيرة البناء الأوروبي». ذلك على أساس أن هذه الأجيال قد عرفت «العديد من ميزات أوروبا الموحّدة» والتي كان من بينها ثمرات برنامج «أراسموس» للتعاون الجامعي على مختلف الصعد.
وبالتالي يعتبر أن هذا الجيل الذي يطلق عليه توصيف «جيل أراسموس»، في عنوان الكتاب، هو في وضع قد يمكنه فيه «تغيير مجرى الأمور في الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يعاني من الهشاشة بسبب مجموعة من الأزمات. وعلى رأسها تحدي الهجرة وتهديد الإرهاب.الفكرة الرئيسية التي يشرحها ويطوّرها المؤلف مفادها أن المسؤولين الأوروبيين الذين ينتمون إلى جيل «أراسموس»، هم وحدهم الذين يمكنهم إنقاذ الاتحاد الأوروبي من الانهيار. والخطوة الأساسية الأولى يحددها في «إعادة الثقة بين المواطنين الأوروبيين وبين أوروبا».
ويذهب أبعد في الاتجاه نفسه ليؤكّد أن من المهمات الملحّة بالنسبة لأوروبا «التوجّه إلى الشبيبة الأوروبية واقتراح نوع من خطّة مارشال عليهم» لمكافحة البطالة التي غدت بمثابة «آفة حقيقية» بالنسبة للمجتمعات الأوروبية. هذا إلى جانب تشجيع أوروبا كي «تعطي الأولوية للبحث والثورة الرقمية والتنمية المستدامة».
ويذكر المؤلف من «جيل أراسموس» بالأسماء من فرنسا مانويل فالس، رئيس وزراء فرنسا الحالي «المولود في برشلونة وعاش طيلة حياته في فرنسا، لكنه لم يحصل على جواز السفر الفرنسي إلاّ عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره»، كما يحدد المؤلف القول؛ و «ايمانويل ماكرون»، وزير الاقتصاد والصناعة والعالم الرقمي الفرنسي؛ و«نجاة فالو ــ بلقاسم»، وزيرة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي وغيرهم من المسؤولين الفرنسيين في مختلف المستويات.
إن المسؤولين الأوروبيين الذين ينتمون إلى جيل «أراسموس»، هم وحدهم الذين يمكنهم إنقاذ الاتحاد الأوروبي من الانهيار. والخطوة الأساسية الأولى يحددها في «إعادة الثقة بين المواطنين الأوروبيين وبين أوروبا».
نموذج مثالي
في ألمانيا يذكر ميكاييل روت، سكرتير الدولة للشؤون الأوروبية الذي يعتبر نموذجاً مثالياً للوفاء لأوروبا، وهو من مواليد بلدة «لا تبعد سوى كيلومترات عن الخط الذي كان يشطر ألمانيا إلى شطرين، ويناضل باستمرار من أجل أوروبا لا تعرف جداراً ولا تقسيماً».وتوجد أسماء من بلدان أوروبية عدة «حاولوا عموماً إخراج الجمهور الأوروبي من القرن العشرين بغية جعله قادراً على مواجهة تحديات أوروبا الغد.
المؤلف في سطور
ساندرو غوزي، مؤلف هذا الكتاب، هو وزير الشؤون الأوروبية في الحكومة الإيطالية. درس العلاقات الدولية وحاز شهادة الدكتوراه في القانون. خريج جامعات بولونيا في إيطاليا ــ وباريس ولندن. أستاذ جامعي. عمل مساعداً للمفوّض الأوروبي الأسبق «رومانو برودي».
الكتاب: الكتاب: جيل «أراسموس».. لقد وصلوا إلى السلطة.
تأليف: تأليف: ساندرو غوزي
الناشر: الناشر: بلون باريس ــ 2016
الصفحات:
الصفحات: 256 صفحة
القطع: القطع: المتوسط
Generation Erasmus
Sandro Gozi
Plon
Paris - 2016
256 PP
