بعد سلسلة من الكتب التي كرّسها مؤلفوها لدور الهند في الحرب العالمية الثانية يقدّم المؤرّخ الهندي سرينات راغافان كتاباً تحت عنوان «حرب الهند».

وهو يشرح فيه كيف أن الحرب العالمية الثانية خلال سنوات 1939 ــ 1945 كان لها أثر كبير في تنشيط الحركة نحو استقلال الهند وفي «صناعة جنوب شرق آسيا الحديثة»، كما جاء في العنوان الفرعي لهذا العمل.

إن المؤلف ــ المؤرّخ يدرس في هذا الكتاب أشكال تأثير الحرب العالمية الثانية في مسار المصير الهندي من عدّة زوايا. ويشير أن بريطانيا قد أعلنت «من جانبها»، منذ بداية الحرب العالمية الثانية، ودون أخذ إرادة الهنود بالاعتبار، مشاركة الهند في الحرب إلى جانب معسكر الحلفاء ضد معسكر المحور.

وتواكب ذلك القرار بالإعلان عن تشكيل «حكومة هندية استثنائية» بحيث تقوم بتسيير أمور البلاد باستثناء «مجالي الدفاع والخارجية». الأمر الذي قابله الوطنيون الهنود بمطالبة ربط المشاركة بالحرب في «التزام بريطانيا بمنح البلاد استقلالها الكامل» في نهايتها.

هذا وكان غاندي ورفاقه في حزب المؤتمر قد أعلنوا منذ 1940 ــ 1941 «العصيان المدني». وبعد إعلان بريطانيا دخول الهند في الحرب ورفضها فيما بعد الالتزام بمنح الهند استقلالها أطلق غاندي نداءه الشهير الموجّه للبريطانيين «اتركوا الهند».

وكانت نتيجة ذلك أنه جرى إيداعه مع جواهر لال نهرو والآلاف من دعاة الاستقلال السجون واعتبروا حزب المؤتمر «خارجا على القانون». بالمقابل وجدت بعض الأقليات والطوائف الهندية وعلى رأسها الهندوس الحرب مناسبة للانخراط في الجيش الذي كانت أغلبية عناصره هم من «السيخ والمسلمين».

بالمقابل، كان هناك هنود آخرون وجدوا تلك الحرب بمثابة «فرصة» ينبغي الاستفادة منها. والإشارة أن العديد من السياسيين أخذوا مواقفهم حيال الحرب بناءً على «حسابات انتخابية». ولم يخل المشهد أيضا من بعض «سادة الحرب» الذين وظّفوها من أجل تحقيق مصالحهم الاقتصادية.

ما يؤكّد عليه المؤلف هو أن الهند أرادت دفع قضيّة استقلالها إلى الأمام في الوقت الذي كانت فيه القوّة الاستعمارية البريطانية مشغولة بالحرب ضد الجيوش النازية على الجبهات الأوروبية أثناء الحرب العالمية الثانية.

وكان أحد التوجهات الأساسية قائما على أساس أن الهند «ليست مجرّد قوّة دعم للإمبراطورية البريطانية». ولكن بالأحرى حاولت أن تجعل من نفسها «قوّة خاصّة هندية تتمتع بمنطقة نفوذ تمتد إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والشرقية».

والسمة الثانية لمساهمة الهند في الحرب العالمية الثانية يحددها المؤلف في أنها وجدت نفسها منخرطة في أعمال حربية على ساحة واسعة تمتد من أوروبا في كل من ألمانيا وإيطاليا إلى آسيا، في اليابان وفيما يتعدّى ذلك.

ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات لما يعتبره «أحد الجوانب المنسية من التاريخ الهندي» أثناء الحرب العالمية الثانية. وهو يقصد بذلك أن «أحد أكبر التحالفات أثناء الحرب العالمية الثانية كان بين الجيشين الهندي والصيني». ويرى أنه «تعود إلى تلك الفترة فكرة أن الأمم الآسيوية التي خرجت من الاستعمار سيكون لها مستقبل مشترك».

ويكرّس المؤلف العديد من صفحات الكتاب لـ«السياسات الداخلية الهندية»، حيال إعلان ممثل التاج البريطاني في الهند انخراطها في الحرب العالمية الثانية بقرار منفرد اختلف حوله قادة السياسات الداعية للاستقلال. ويشرح أن تلك السياسات الداخلية أثناء الحرب العالمية الثانية هي التي أسست لـ «أغلبية التوجهات الإيديولوجية» التي عرفتها البلاد بعد حصولها على الاستقلال عام 1947. من هنا يتم التأكيد على أهمية تفحّص تلك السياسات الداخلية.

وفي الوقت الذي «دعم فيه البعض، مثل غاندي، بطريقة غير عنيفة، النظام الذي فرضه البريطانيون على الهند منذ عام 1858 وحتى الاستقلال عام 1947»، ربط آخرون بين دعمه وبين «منح الهند مكانة إحدى دول الكومنولث ذات الاستقلال السياسي وإنّما المرتبطة ببريطانيا بمجـــموعة من الروابط الخاصّة». بالمقابل، أبدى عدد من المعارضين لغاندي «دعمهم المحلّي لإنشاء جيش وطني هندي مؤيّد صراحة للحلفاء على ساحات المعارك». أمّا «جواهر لال نهرو» وعدد من المناهضين للأنظمة الفاشية فقد «أعلنوا معارضتهم للغزو النازي لأوروبا ولكن مع إعلان عدم الثقة بالمخططات البريطانية بالنسبة لمستقبل الهند».

وصفحات عديدة من هذا الكتاب مكرّسة للحملات العسكرية التي شاركت فيها الهند في العراق وأفريقيا وبيرمانيا ــ حيث قـُتل حوالي 50000 من الهنود الذين كانوا يقيمون في تلك البلاد وجرى تهجير الآخرين ــ وماليزيا. ويشرح كيف أن الجهود العسكرية تواكبت وتزامنت مع «المحاولات الحثيثة التي قام بها السياسيون البريطانيون من أجل إقناع السياسيين الهنود بواجب أن تدعم الهند الجهد الحربي البريطاني» في الحرب العالمية الثانية.

في المحصلة، يشرح المؤلف أنه في «حرب الهند» لم يؤخذ رأي أي هندي قبل قرار ممثل التاج البريطاني انخراطها في الحرب العالمية الثانية والتعامل مع الجنود الهنود وكأن «عليهم القتال دون طرح أية أسئلة»، حيث يطلق المؤلف عليهم توصيف «الجيش المنسي». لكن ذلك لم يمنع، كما يشرح، واقع أنه كان لتلك الحرب الكثير من النتائج خاصّة من حيث إنها ساهمت بالتعريف بالقضية الهندية وبتعاظم المطالبة بالاستقلال وبدفع مسيرة البلاد نحو استقلالها الذي تمّ إعلانه في عام 1947.

والإشارة أنه إذا كانت الحروب تنهي عادّة الإمبراطوريات «المهزومة»، مثلما حصل في نهاية الحرب العالمية الأولى بالنسبة للإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية ــ الهنغارية، فإن الحرب العالمية الثانية أنهت، من جهتها، الإمبراطورية البريطانية «المنتصرة».

ما يؤكّد عليه المؤلف هو أن «حزب المؤتمر الهندي» بقيادة «غاندي» كان عموما مناهضا لمشاركة الهند في الحرب بسبب عدم استشارته أصلا في تلك المشاركة. كما كان بالتوازي بمثابة «رأس الحربة» في النضال ضد النظام الذي فرضه الاستعمار البريطاني على الهند. وعلى خلفية مثل تلك المواقف جرى واقعيا تهميش الحزب بقيادة غاندي في المشهد الهندي لسنوات الحرب العالمية الثانية.

الكتاب: حرب الهند، صناعة جنوب شرق آسيا الحديثة

المؤلف في سطور

سرينات راغافان مؤرّخ هندي. مكلّف بالأبحاث حول الهند في المعهد الملكي البريطاني في لندن. مختص بدراسة الجوانب المعاصرة والتاريخية للسياسات الأمنية والخارجية الهندية.

من مؤلفاته: «تاريخ استراتيجي لسنوات نهرو» و«1971: تاريخ شامل لقيام بنغلاديش»... الخ.

تأليف: سرينات راغافان

الناشر: آلن لين لندن ــ 2016

الصفحات: 542 صفحة

القطع: المتوسط

India’s war

Srinath Righavan

Allen Lane

London- 2016

542 PP