تصل المؤلفة في ختام تحليلات الكتاب، إلى سلسلة من «الاقتراحات البديلة لتمويل وسائل الإعلام»، الأوروبية والأميركية، ويتمثّل الاقتراح الأساسي منها في تبنّي النموذج الأميركي لصناديق المساهمة التي تقوم بتمويل الجامعات الكبرى والتمويل عن طريق المساهمة بشكل عام. وتشير إلى أن مرجعيتها في الحلول التي تقدّمها تستند إلى وقائع وليس إلى نظريات مجردة وإيديولوجيات.

غيّرت الثورة الرقمية الكثير من المعطيات الخاصّة بعالم الإعلام والمعلومات وسبل الحصول عليها. وكانت النتيجة المباشرة لذلك هي تغيّر كبير في «سلسلة إنتاج المعلومات» كلّها.

وهذا ما يتم التعبير عنه عموماً بوجود «أزمة خطيرة لدى وسائل الإعلام». هذه الأزمة لا تقتصر على المكتوبة منها فقط، كما يقال ويتردد، ولكن المسموعة والمرئية وغيرها. فجميع هذه الوسائل غدت تبحث في الغرب عموماً على «نموذج ــ موديل» اقتصادي جديد لمعالجة أزمتها.

والباحثة جوليا كاجي، الحاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد وأستاذة العلوم السياسية في باريس، تكرّس كتابها الأول لتحليل الأزمة التي تعاني منها وسائل الإعلام في الغرب عموماً وفي أوروبا والولايات المتحدة بصورة خاصّة وتقترح ما تعتبره الحلول «البديلة» المناسبة.

يحمل الكتاب عنوان «إنقاذ وسائل الإعلام» وتتركز تحليلاته على دراسة العلاقة بين «الرأسمالية والتمويل التشاركي ــ من خلال المساهمة ــ والديمقراطية»، كما جاء في العنوان الفرعي.

تتوزّع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة محاور ــ أقسام أساسية تحمل العناوين التالية «عصر المعلومات» وتدرس المؤلفة فيه ثلاثة موضوعات رئيسية تتعلّق بـ«المعلومات فيما هو أبعد من وسائل الإعلام و«التنوّع الكبير في طرق التمويل» و«ما هي المعلومات؟». وهذا القسم تسعى فيه المؤلفة إلى القيام بعملية «تشخيص لحالة وسائل الإعلام اليوم» في العالم الغربي عموماً، وفي أوروبا والولايات المتحدة بشكل خاص.

المحور ــ القسم الثاني يحمل عنوان «نهاية الأوهام» ويبحث في «ولادة الإعلانات في الصحافة» و«الوهم الإعلاني» و«تقهقر الصناعة الإعلانية». وتحديد القول إن «الصناعة الدعائية» التي كانت لفترة طويلة مصدر الدخل الأساسي من أجل المحافظة على «التوازن الاقتصادي» لوسائل الإعلام فإن سوق الدعاية تتقلّص أكثر فأكثر و«تتحول نحو سبل أخرى للترويج» غير وسائل الإعلام.

ووهم آخر يتم التركيز عليه ويتعلّق بشرح أن المنافسة قد تلعب في الاتجاه المعاكس لمصالح وسائل الإعلام في العالم الغربي اليوم، حيث إن «سوقاً معيّناً لا يمكنه أن يتحمّل سوى عدد محدود منها، أي وسائل الإعلام».

والتحذير أيضاً من وهم مفاده أن الدول في الغرب لا تستطيع أن تنقذ وسائل الإعلام وهي محكومة، بأغلبيتها، بإعادة النظر في سياسات الإنفاق التي تنتهجها. أمّا المحور ــ القسم الثالث والأخير فاختارت المؤلفة عنواناً له يقول «نموذج ــ موديل ــ جديد من أجل القرن الحادي والعشرين» والموضوعان الأساسيان فيه يخصّان تجاوز «قوانين السوق» و«وسائل إعلام بهدف الكسب».

ومن المؤشرات العديدة التي تقدمها المؤلفة على أزمة وسائل الإعلام، المكتوبة خصوصاً، «الانخفاض الكبير في عدد القرّاء» و«كون الأغلبية منهم هم من المتقدمين في العمر»، بينما «تتناقص» بالمقابل أعداد الشباب الذين اختار قسم كبير منهم «شبكة الإنترنت» مصدراً للمعلومات.

وهذا ما تتم ترجمته في انخفاض عدد النسخ المباعة من الصحف على الصعيدين الأوروبي والأميركي. وانخفاض مبيعات الصحف والدوريات تواكب مع انخفاض مردود الإعلانات. وبالنتيجة عرفت العديد من وسائل الإعلام المتنوّعة تقليصا مهمّاً في عدد العاملين فيها.

وتشرح المؤلفة أن المسألة الأساسية التي ينبغي إعادة النظر فيها في السياق الراهن هي «بنية تمويل وسائل الإعلام» في بلدان الديمقراطيات الغربية. ذلك أنها ترى أن «الطريق المسدود» الذي تواجهه اليوم يعود إلى كون أنه يتم النظر لها كـ«مؤسسات تجارية تخضع لقوانين السوق والكسب».

وفي مواجهة النموذج السائد في آليات عمل وسائل الإعلام التي تتطلّب «استثمارات كبيرة» تطرح المؤلفة فكرة تشكيل بنية جديدة ترمي إلى قيام «شركات لوسائل إعلام بغاية بعيدة عن ذهنية المنافسة من أجل الربح بمختلف الوسائل السائدة في العالم اليوم».

وتحدد القول إن مثل هذه الشركة التي تقترحها هي «صيغة وسيطة بين المؤسسة والشركة المساهمة»، بحيث يمكن جمع عدد من الصناديق الضرورية لتمويل وسائل الإعلام بطريقة يمكن معها تبنّي آليات عمل يبقى فيها للصحافيين والقرّاء وزن حقيقي.

وبهذا المعنى تضع المؤلفة المسائل المتعلّقة باقتصاد وسائل الإعلام وبنية تمويلها في إطار اقتصادي أوسع وأشمل تحدده بـ«اقتصاد المعرفة» الذي يجمع ميادين الثقافة والتربية والتعليم والبحث العلمي. والتركيز في هذا السياق على القول إن النموذج السائد في الغرب اليوم ليس الأمثل بالنسبة للقرن الحادي والعشرين. بل «على العكس كل شيء يحثّ على التجديد وتعلّم اقتصاد المعرفة في مختلف مناطق العالم»، كما تكتب المؤلفة.

وترى أنه ينبغي التوفيق بين جرعات «لها علاقة بالنشاط التجاري لنشر المعلومات» وبين «مبدأ عدم الإفراط في البحث عن الربح». ذلك على اعتبار أن التخلّي عن ذلك المبدأ ضروري من أجل إنتاج معلومات جيّدة وتتماشى مع مستلزمات «ميثاق الصحافة والعمل الإعلامي».

وتقيم المؤلفة نوعاً من المقارنة بين «ضرورة إنقاذ الإعلام» وبين ما جرى من أجل «إنقاذ البنوك» عند انفجار الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى في خريف عام 2008. وترى أن إنقاذ وسائل الإعلام مطلوب وضروري من أجل إنقاذ مصادر المعلومات. ذلك على خلفية أطروحة تتكرر بأشكال مختلفة في تحليلات هذا الكتاب مفادها أن «المعلومات في خطر».

وتحديد القول إن الخطر المحدق ليس مصدره تحوّل العديد من الصحف مثلاً إلى الصحافة الرقمية والتخلّي عن الصحافة الورقية. ذلك أن «المهم ليس حامل المعلومات، ولكن مضمون هذه المعلومات».

تصل المؤلفة، في ختام تحليلات الكتاب، إلى سلسلة من «الاقتراحات البديلة لتمويل وسائل الإعلام»، الأوروبية والأميركية، ويتمثّل الاقتراح الأساسي منها في تبنّي النموذج الأميركي لصناديق المساهمة التي تقوم بتمويل الجامعات الكبرى والتمويل عن طريق المساهمة بشكل عام. وتشير إلى أن مرجعيتها في الحلول التي تقدّمها تستند إلى وقائع وليس إلى نظريات مجردة وإيديولوجيات.