يعرف الجميع أن الصين اليوم ليست هي تلك التي كان يتم تصنيفها قبل عقود قليلة كإحدى الدول النامية. لكنها تطوّرت من «مجتمع فقير» و«وسط ريفي» إلى أحد أكبر البلدان الصناعية وفي طليعة اقتصادات العالم في عالم اليوم. لقد غدت تحتل المراتب الأولى على الصعيد العالمي وربما هي بصدد احتلال مرتبة الصدارة في أفق السنوات المقبلة.
ويعرف الجميع أن الصين تسعى لتثبيت حضورها في مختلف مناطق العالم وهي غدت أحد أكثر القوى العالمية حضوراً في القارّة الأفريقية وفي جنوب وشرق آسيا واستراليا وأوروبا وحتى الولايات المتحدة الأميركية. لكن ربما لا يعرف كُثر أنها غدت ذات حضور وتأثير كبيرين في أميركا اللاتينية خلال العقود الأخيرة المنصرمة.
وتحت عنوان «المثلّث الصيني» يقدّم «كيفن ب. غالاغير»، أستاذ سياسة التنمية العالمية في جامعة بوسطن الأميركية حيث يتولّى إدارة «مبادرة الحكومة الاقتصادية العالمية» و«برنامج سياسات التنمية العالمية»، كتاباً يشرح فيه «ازدهار الوجود الصيني في أميركا اللاتينية ومصير اتفاقية واشنطن»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
يدرس المؤلف في هذا الكتاب مجموعة من المسائل الأساسية تخص العلاقات الصينية ــ الأميركية اللاتينية وآليات تطورها وصولاً إلى فشل العديد من بلدان أميركا في اتباع «نهج الازدهار الصيني». وكذلك دراسة العلاقات الصينية ــ الأميركية بطرفيها الأميركي الشمالي ــ الولايات المتحدة ــ واللاتيني.
والمسألة الأساسية التي يتعرّض لها المؤلف تتمثّل في محاولة تبيين كيف أن ازدهار العلاقات الصينية ــ الأميركية اللاتينية ساهمت في «إعادة صياغة العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وبلدان أميركا اللاتينية والصين».
يشرح المؤلف أن الصينيين كانوا قد قدموا إلى بلدان أميركا اللاتينية في المرّات الأولى قبل ما يقارب قرن من الزمن. وكانوا قد قدموا بصفة «عمّال» في مختلف مشاريع البنى الأساسية من طرق وجسور وغيرها. لكنهم «عادوا» في ظل النمو الصيني الكبير خلال العقود الأخيرة كـ «مصرفيين» بالدرجة الأولى «يبحثون عن مختلف أنواع الاستثمارات».
إن «كيفن ب. غالاغير» يكرّس العديد من الصفحات لتوصيف أهم المشاريع التي تولّى المصرفيون والمقاولون الصينيون الجزء الرئيسي من الاستثمارات المتعلقة فيها. وليس أقلّها مشروع بناء شبكة خطوط حديدية مخصصة للقطارات السريعة يبلغ طولها أكثر من 3000 ميل وتربط بين الشاطئ الأطلسي للبرازيل وشاطئ المحيط الهادي ــ الباسيفيكي ــ للبيرو. ومشروع كبير آخر يذكره المؤلف ويتعلّق بـ «شقّ قناة مائية طويلة» عبر نيكاراغوا.
ويشير المؤلف إلى أن أميركا اللاتينية كانت في طليعة بلدان العالم التي استفادت من «الازدهار الصيني». المؤشر الأساسي الذي يتم تقديمه على ذلك هو أنه خلال الفترة الممتدة بين عام 2003 و2013 زاد معدل النمو الاقتصادي للبلدان المعنية بنسبة 3.6 بالمائة سنوياً. ذلك أنه خلال النمو الاقتصادي الكبير للصين زاد طلبها كثيراً على المواد الأولية وكانت بلدن أميركا اللاتينية هي المصدّر الأول لتلك المواد.
وفي المحصلة غدت الصين اليوم هي «الشريك التجاري الأكبر والدائن الأكبر أيضاً للعديد من بلدان أميركا اللاتينية والمستثمر الثاني في المنطقة بعد الولايات المتحدة الأميركية». والإشارة أنه كان للميدالية وجهها الآخر من حيث ما ولّدته من «تحديات اجتماعية وتخريب بيئي».
لكن مثل هذا النمو تراجع كثيراً خلال السنوات الأخيرة بعد أن «تضاءل كثيراً الطلب الصيني على المواد الأولية التي مصدرها بلدان أميركا اللاتينية». ذلك بالتوازي مع تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني نفسه والتحوّل كثيراً نحو قطاعي «الاستهلاك والخدمات».
ويشير المؤلف أن المنطقة نفسها كانت قد عرفت قبل ذلك وعلى مدى عقدين من الزمن نوعاً من الجمود الاقتصادي تمّت ترجمته بتباطؤ في النمو وشيوع حالة من عدم الاستقرار المالي وكذلك عدم الاستقرار السياسي وزيادة كبيرة في معدّلات التضخّم. وتلك الفتـــرة هي التي تتناظر مع قيام «اتفاقية واشنطن» التي يتم ذكرها في العنوان.
وهذه الاتفاقية تعني مجموعة من الإجراءات المطبقة على اقتصاد البلدان، خاصة في أميركا اللاتينية، التي تواجه صعوبات تمنعها من إمكانية تسديد ديونها الضخمة للمؤسسات الدولية الكبرى التي مقرّها واشنطن.
بالمقابل يشرح المؤلف أن الصين ليس لديها «خبراء يقيمون في واشنطن» كي يقرروا ما ينبغي عليها اتخاذه من إصلاحات، وفي شتى الفصول، يتعرض المؤلف لتقييم «الكيفية التي أثّر فيها الازدهار الصيني على اقتصاد بلدان أميركا اللاتينية» و«المساهمة الكبيرة التي لعبتها منتجات أميركا اللاتينية في النمو الصيني». وبالمقابل يكرّس العديد من الصفحات لدراسة الطريقة «غير المجدية كثيراً» التي تصرّفت فيها حكومات أميركا اللاتينية من التبادل التجاري «المثمر» مع الصين.
