هناك تعابير تغدو ذات دلالات محددة في القواميس بعد ظهورها في ظرف معيّن وحول موضوع معيّن. هكذا مثلاً شاع الحديث عن «التعايش السلمي» و«الوفاق الدولي» و«الحرب الباردة» في ظل حالة الانقسام الثنائي الدولي بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية.

تلك التعابير فقدت مدلولاتها المباشرة مع زوال الواقع الذي كان قد أنتجها وعرف الحالات التي تمثّلها. لكن هناك تعبير آخر برز قبل ذلك الانقسام الثنائي الدولي وتمّ استخدامه في ظلّه واستمرّ في التداول بعده باعتباره مفهوماً في الفكر والممارسة السياسيين بصورة عامّة، وهو «السياسة الواقعية» وأحياناً «الواقعية السياسية». هذا التعبير الذي يتم استخدامه كثيراً لكنه ليس مفهوماً بدقّة من قبل الجميع.

«السياسة الواقعية» هي موضوع كتاب جون بوي، المؤرّخ البريطاني المختص بالسياسات الخارجية والعلاقات الدولية في المعهد الملكي في لندن، والذي يحمل عنوان «السياسة الواقعية.. تاريخ».

تجدر الإشارة أن مؤلف هذا الكتاب لا يولي اهتمامه الرئيسي في هذا الكتاب لدراسة تاريخ «السياسة الواقعية» في العلاقات الدولية والدور الذي لعبته في العلاقة بين المعسكرين الغربي والشرقي، بعد أن كان المستشار الألماني الأسبق ويللي برانت، قد استخدمها كنهج في التعامل مع البلدان الشيوعية.

٠ يشرح المؤلف أن السياسة الواقعية ارتبطت بهنري كيسنجر الذي طبّقها في سياساته عندما كان مسؤولاً عن الأمن القومي، ثم كوزير خارجية في ظل الرئيسين ريشارد نيكسون وجيرالد فورد. والإشارة إلى أن المثال الكبير على السياسة الواقعية، كما خطط لها كيسنجر، يتمثّل في الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي ريشارد نيكسون للصين عام 1972.

هذا مع الإشارة أيضاً إلى أن مفهوم «السياسة الواقعية» كان لها باستمرار «وقع سيئ»، حيث تنمّ عامة عن «مقاربات تثير الشكوك» في مجال السياسة الخارجية. لكن ذلك لا يمنع واقع أنها «صيغة في فنّ ممارسة السياسة منذ عدّة قرون»، ومن «مكيافيلي حتى باراك أوباما»، كما نقرأ. ويتم النظر لها غالباً على أنها معادل لـ«الحس العملي ــ البراغماتي ــ في ممارسة السياسة» أو «فن الممكن».

والإشارة أيضاً أن كيسنجر نفسه لم يستخدم أبداً ذلك التعبير «لكنه مارسه». هكذا دعم مثلاً الجنرال «بينوشه» في الشيلي بحيث أن سياسة جيمي كارتر المؤيدة لحقوق الإنسان بدت كـ«رد فعل على فترة سنوات هنري كيسنجر»، كما يكتب المؤلف.. ويحدد القول إن «فكرة هذا الكتاب وُلدت من الطريقة التي تمّ فيها استخدام السياسة الواقعية في نقاشات السياسية الخارجية خلال السنوات الأخيرة من إدارة جورج وولكر بوش وتوني بلير».

لكن «جون بوي» يقوم بالأحرى بالتأريخ لـ«مفهوم السياسة الواقعية» والتحولات التي عرفها خلال الحقب التاريخية المختلفة. ذلك على أساس أنه «ينبغي فهم الأفكار في سياق الزمن والمكان والعوامل الثقافية». وهو يقوم بتوصيف مسار تطوّر هذا المفهوم الشائع منذ منتصف القرن التاسع عشر حيث صدر عام 1853 كتاب «أسس السياسة الواقعية ــ ريالبوليتيك» لمؤلفه المفكّر الألماني لودفيغ فون روشو حتى اليوم.

وبهذا المعنى وبالاعتماد على ذلك يقدّم نوعاً من «سيرة حياة فكرة» مع ما يفترضه ذلك من عدم تأطير الاهتمام في فترة معيّنة أو حدث. وهو يعرض بالوقت نفسه مجموعة من الأفكار التي كان لها، ولا يزال لها تأثيرها في مسارات العلاقات الدولية خلال القرون التاسع عشر وحتى هذه السنوات الأولى من القرن الجاري، الحادي والعشرين.

وعبر ذلك في السياسات الوطنية الراهنة عامّة وفي بريطانيا والولايات المتحدة بشكل خاص. هذا مع التعريف بأشكال تطبيقها في العقدين الأخيرين. ويشير المؤلف نقلاً عن «روشو» أن من أهم الأفكار التي كان لها فعلها في السياسات الخارجية والعلاقات الدولية أن «قانون القوي هو العامل الحاسم في السياسة». وأن «الصيغة الأكثر فاعلية في الحكم هي تلك التي تدمج القوى الاجتماعية الأكثر قوّة في إطار الدولة».

كما يتردد في هذا الإطار كثيراً اسم «مكيافيللي». ويشرح المؤلف أن تلك الأفكار جرى تطبيقها واقعياً من قبل «بسمارك» في مشروعات توحيد ألمانيا في مختلف وجوه السياسة الخارجية. بالتوازي مع ذلك شاع استخدام تعبير «السياسة الواقعية» لدى العديد من المفكرين الألمان الذين قاموا بتبنّيه في صيغ جديدة غير تلك التي قال بها «مخترعه روشو»، حيث جرى مزجه مع «البعد القومي» ثمّ جرى «تطعيمه» مع مفهومين محددين انتشرا خاصّة في دوائر وأوساط السلطة في ألمانيا هما «التوسّع في الخارج ــ ويلتبوليتيك» و«سياسة القوّة ــ ماختبوليتيك».

بكل الحالات يؤكّد مؤلف هذا الكتاب أنه كان للمفهوم «الألماني» للسياسة الواقعية تأثيراً كبيراً في المفكرين الأميركيين. هذا مع اشتقاق عدد من الدلالات الجديدة مثل «الواقعية العلمية» أو «الواقعية البنيوية» أو «الواقعية الجديدة». والإشارة إلى أن مختلف هذه التسميات ركّزت على أهمية «العوامل التاريخية والثقافية».

ويشرح كيف أن النظرة البريطانية فسّرت «السياسة الواقعية» بأنها إمكانية الوصول إلى نوع من «المبادلة» و«المقايضة» مع الخصم، كما حاولت بريطانيا أن تفعل مع ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى. ويشرح المؤلف أن مثل تلك الرؤية لم تكن أبداً بعيدة عن نوع من «المراوغة». المثال الذي يضربه على ذلك «اتفاقية سايكس ــ بيكو» بين بريطانيا وفرنسا التي تمّ على أساسها تقسيم منطقة الشرق الأوسط.

ومن الأفكار التي يؤكّدها المؤلف أن مفهوم «السياسة الواقعية» حسب الصيغة والدلالة الألمانية كان له تأثير كبير في رجال الفكر والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية من أمثال «جورج كينان» و«دين أشيزون»، وزير خارجية أميركا لدى إدارة الرئيس هنري ترومان.

ويشرح «جون بوي» أن الأميركيين حاولوا استخدام مفهوم «السياسة الواقعية» من أجل «إعادة صياغة النظام العالمي بحيث يعمل لخدمة مصالحهم». وبهذا المعنى أيضاً يتمّ التأكيد أن ما يسميه المؤلف «المدرسة الواقعية» في العلاقات الدولية كان لها باستمرار تأثيرها في السياسة الخارجية الأميركية.

وفي الخلاصة، يشرح المؤلف كيف أثقلت «السياسة الواقعية» على مسار السياسات والعلاقات الدولية، وكيف يمكن أن تثقل اليوم على قرارات الاستراتيجيات الخاصّة بالسياسة الخارجية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة البريطانية. وعلى ضوء أن مبادئ السياسة الواقعية يمكن أن تكون مفيدة في فهم سياق العلاقات الدولية الراهنة.