تنقسم توصيفات المشهد السياسي البريطاني تاريخياً بين معسكرين أساسيين هما المحافظين والعمّال. هذا دون إصدار أي حكم قيمة باتجاه أو بآخر فيما هو أبعد من الإشارة إلى الانتماء السياسي.

لكن الأمر مختلف تماماً بالقياس إلى ما هو قائم في فرنسا حيث توصيف «محافظ» يحتوي على قدر كبير من النظرة السلبية للمعني فيه. هذا على عكس توصيف «التقدمي» الذي يعني الكثير من المناقب والميزات. لكن دون الخوض في خلفية التوصيفين.

فلماذا هذا الاختزال المقصود للانتماء المحافظ ووصفه بخليط من مختلف متناقض من ردود الأفعال السياسية والنظام الأخلاقي واللبرالية الاقتصادية؟ ولماذا هذا التجاهل المقصود أيضا لواقع أن ذلك الانتماء المحافظ ساهم خلال قرنين من الزمن في بناء الحياة السياسية فيما وراء بحر المانش ــ في بريطانيا ــ وفيما وراء المحيط الأطلسي ــ في الولايات المتحدة الأميركية؟ ولماذا لا تتواجد التقاليد المحافظة عندنا ــ في فرنسا؟ وما هي الرؤية المحافظة للعالم ؟...الخ.

هذه الأسئلة وأخرى من الطبيعة ذاتها، تطرحها لايتيسيا ستروش ــ بونار، الأخصائية الفرنسية في الحياة السياسية البريطانية وتحاول الإجابة عليها في كتابها الذي يحمل عنوان «هل قلتم محافظ؟».

تحلل المؤلفة الحركة المحافظة في بريطانيا والولايات المتحدة وتعلن بالوقت نفسه عن موقف مؤيّد للنزعة المحافظة ولدورها الإيجابي في التجارب التي تناقشها. ذلك بعيدا عن الأفكار الشائعة عنها في فرنسا حتى لدى معسكر اليمين الذي يُفترض أن يكون «محافظاً».

وتنقل عن «جان فرانسوا كوبي»، أحد رموز هذا المعسكر اليميني الفرنسي قوله: «لن اسمح أبدا بقول إن اليمين هو تعبير عن النزعة المحافظة». لكنها تفتح قوسين كي تشير أنه يتم استخدام مثل هذا التعبير في فرنسا بالمعنى الذي يدل على «معارضة التغيير»، وليس على «المحافظة السياسية» بالمعنى السائد في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. كما تشير إلى الكثير من «الجهل» لدى المثقفين ورجال السياسة الفرنسيين بما تعنيه تلك «المحافظة السياسة».

وتشرح المؤلفة أن التيار المحافظ بصيغته السياسية الحديثة موجود في بريطانيا منذ سنوات الثمانينيات في القرن التاسع عشر. وتعود في هذا السياق إلى التذكير بأعمال «ادموند بورك»، الأب المؤسس للمحافظة السياسية البريطانية والمقروءة كثيرا على الصعيد العالمي.

كما تشرح لايتيسيا ستروش ــ بونار أن حركة ثقافية وسياسية محافظة انتشرت في فرنسا منذ القرن التاسع عشر وأن الجمهورية الفرنسية الثالثة التي استمرّت منذ عام 1870 كان فيها بعض ملامح «المحافظة السياسية». والأمر نفسه في ظل الديغولية في فرنسا.

لكن في الحالتين دون استخدام تلك التسمية بشكل صريح. نفس السياق أنه لا يمكن الحديث عن «قطيعة كاملة» بين الثورة الفرنسية الكبرى والنظام القديم الذي سبقها. وهي تجد مرجعيتها في هذا الرأي لدى عالم الاجتماع الفرنسي الشهير الكسي دو توكفيل. لكنها تؤكّد القول ان اليمين المعتدل الفرنسي اليوم لا يزال يصرّ على رفض صفة المحافظ.

وقد كرست مؤلفة هذا الكتاب العديد من صفحاته لعرض مضمون المقابلات التي قامت بها مع عدد من المثقفين الفرنسيين المرموقين لاستجلاء مواقفهم من التيار المحافظ في السياسة والفكر. وبعد أن تشير إلى الصعوبات التي واجهتها في إقناعهم بالحديث تركّز على القول ان المثقفين الفرنسيين لا يزالون عموماً «حذرين»، هذا إذا لم يكونوا «سلبيين» حيال توصيف «المحافظة».

وعلى سؤال طرحته على محاوريها مفاده: هل تقبلون توصيفكم كـ«محافظين»؟، تشير المؤلفة أنه ليس بينهم من لم يقل عن نفسه بصورة مباشرة وصريحة أنه «محافظ».

والبعض منهم ممن يميلون فعليا إلى النزعة المحافظة أصرّوا على أن يضيفوا لصفة «المحافظ» كلمة رديفة تخفف من وقعها مثل «محافظ لبرالي» أو «محافظ ديمقراطي». وهذا ما تعيده المؤلفة إلى «إرث سنوات الستينات» التي عرفت «ثورة الطلبة» في فرنسا عام 1968.

ومن الأفكار التي ترددها المؤلفة بأشكال مختلفة، أنه هناك خلط كبير بين المحافظة والجمود والرجعية. وترى مثلا أن الرجعي هو مثل مَن يتقدّم في الحياة وهو ينظر عبر المرآة إلى الوراء. إنني لا ألقي عليه حجرا، لأنه بالنسبة لي أقلّ خطورة من ثوري.

ولكن هذا لا يمنع أنها ترى فيه نموذج الإنسان السلبي الذي يخسر الكثير على خلفية إرادة الاحتفاظ بكل شيء. بالمقابل ترى أن من السمات الأساسية للمحافظ قبوله لفكرة أن التبدّل ملازم للمجتمعات الإنسانية. هذا مع التمييز بين«التبدّل المشروع» و«التبدّل غير المشروع»، وبالتوازي مع العمل على تخفيف آثار اي تبدّل وبحيث لا يشكل قطيعة كاملة وغير محمولة مع المعايير الثقافية والاجتماعية السائدة.

وفكرة أخرى أساسية يتم التأكيد عليها في تحليلات هذا الكتاب تتعلّق بالتأكيد على أن المحافظة لا تعني أبدا كبح الحريّات، كما يردد اللبراليون المتطرفون في ليبراليتهم. بل على العكس يرى المحافظ أن الحريّة الوحيدة والحقيقية التي نملكها هي نعيش حياتنا مع ما تفرضه من واجبات.

وملاحظة أساسية أخرى هي أن مؤلفة هذا الكتاب تبدي بوضوح لا لبس فيه إعجابها بـ«المحافظة» على الطريقة البريطانية التي تجمع بين«الانتماء المحافظ» واللبرالية. وهي تشرح بإسهاب النمط ــ الموديل ــ البريطاني المحافظ وتمسّكه باللبرالية عبر احترام المؤسسات وحريّة الاعتقاد وحق التعبير عن الرأي....إلى بقية مستلزمات اللبرالية. لكن المؤلفة ترفض «نسخ» النموذج البريطاني إلى فرنسا. ذلك أن «المحافظ الحقيقي يحترم تقاليد بلاده».

جذور تاريخية

تعيد المؤلفة نزعة العداء الفرنسي للمحافظين إلى نوع من الخوف ذي الجذور التاريخية. وبالتحديد تلك التي تعود إلى الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 حيث كان الذين عارضوها هم من أطلقوا عليهم توصيف «المحافظين»، وما كان يعني «الرجعيين» الذين أرادوا اعادة «النظام القديم». وبقيت تلك «الصورة الرجعية» ملتصقة بتوصيف المحافظين باستمرار بعد ذلك.