هناك نوع من السياحة لاقى ازدهاراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، وبالتحديد ازدهر في أوروبا والغرب بعد سقوط جدار برلين وعلى أثره المعسكر الاشتراكي السابق. إن بعض بلدان أوروبا الشرقية والوسطى ــ الشيوعية سابقا ــ غدت وجهة مفضّلة للسياحة الجديدة. تلك التي أطلقوا عليها توصيف «السياحة الطبيّة».
هذه «السياحة الطبيّة»، هي موضوع كتاب «ساشا اسينبرج»، الصحفي الأميركي، الذي ساهم بالكتابة في العديد من المجلات والصحف الكبرى مثل نيويورك تايمز ماغازين وبوسطن غلوب وذي اتلانتيك وغيرها. يحمل الكتاب عنوان: «الاستطباب الخارجي» وموضوعه هو «العالم المدهش الجديد للسياحة الطبية»، كما جاء في عنوانه الفرعي.
إن ساشا اسينبيرج يكرس الصفحات الأولى من هذا العمل للقيام بعملية توصيف، كنوع من التحقيق الصحفي، حول وقائع مأخوذة من مشاهدات حيّة أو من شهادات أو مقابلات أو أخبار صحفية أو غير ذلك مما يدل على حقيقة انتشار «السياحة الطبيّة».
والسمة الأساسية لهذا العمل أن مؤلفه يركز على جانب التحقيق حول مظهر كان موجودا، ولكن بشكل استثنائي ويخص شريحة معيّنة من البشر. ولكنه غدا اليوم مظهرا يمثل سلوكا شائعا إلى درجة أنه بمثابة ظاهرة ارتبطت بسياق معين. ذلك أن السفر من أجل العلاج في الخارج كان معروفا ولكن مرتبطا بأصحاب القدرة على ذلك ممن يتوجهون إلى البلدان الغنية.
أمّا ظاهرة اليوم فإنها تخصّ بالأحرى أبناء بلدان غنيّة يتجهون إلى بلدان أكثر فقرا، أو على الأقل أقلّ غنى. المثالان اللذان يعتبر المؤلف أنهما يقدّمان النموذج الأكثر بلاغة، و«حالتان تستحقان الدراسة للبلدان الراغبة في تنشيط سياحتها الصحيّة». وهما مثالان على تطوّر «السياحة الطبية» وتغيّر مفاهيمه او انتشارها الكبير في سياق ما بعد سقوط جدار برلين وهما هنغاريا ــ المجر ــ وبلغاريا.
إنه يقدّم للقارئ مثال طبيب الأسنان الهنغاري ــ المجري ــ الذي كان قد عالج عام 1992 أسنان رجل السياسة «فكتور اوربان» الذي أصبح فيما بعد رئيسا لوزراء البلاد. طبيب الأسنان المعني «بيلا باتافوري» أصبح من «روّاد السياحة الطبيّة» في هنغاريا بقطاع طب الأسنان. وتطلّب توسيع نشاطاته للمرضى القادمين من مختلف بلدان أوروبا الغربية توظيف عدد من المستشارين.
هكذا ينقل المؤلف من إحدى المقابلات مع أحد مستشاري بيلا باتافوري الجملة التالية: في سويسر يمكنكم الحصول على الشوكولا والساعات. بالنسبة لهنغاريا، يمكنكم الحصول على أطبّاء الأسنان. هذا في حين أنه غدا يتردد عن هنغاريا توصيف «عاصمة طب الأسنان في أوروبا».
ويشير المؤلف أن باتافوري غدا من الشخصيات ــ النجوم ــ العامّة المرموقة في بلاده، حيث يدير عدّة نواد رياضية تقوم بتنظيم العديد من النشاطات الرياضية. ولا يتردد في القول إنه «شيد إمبراطوريته» من الأموال الطائلة التي جناها من «السائحين الصحيين». وأصبحت بودابست، العاصمة الهنغارية، بمثابة «المركز المنتج لخدمة صحيّة قابلة للبيع على الصعيد العالمي».
ويحدد المؤلف عددا من الوجهات ذات الشهرة بالنسبة لمجال «السياحة الطبية». هكذا يقصد كُثر الهند من أجل معالجة الأمراض القلبية أو جراحات القلب. ويتوجّه من يبحثون عن زرع الأعضاء إلى كوريا الجنوبية. والكنديون يقصدون كوستاريكا من أجل إجراء التحليلات المخبرية. ومما يشير له المؤلف أنه يوجد في صوفيا، العاصمة البلغارية، مستشفى شيده اليابانيون لـ«استقبال السائحين الطبيين».
ويشرح المؤلف في هذا السياق أنه في العديد من بلدان أوروبا الشرقية والوسطى وفي آسيا وأميركا اللاتينية هناك العديد من المستوصفات والعيادات الخاصّة التي تبحث عن إغراء الزبائن ــ المرضى ــ من أبناء البلدان الغنيّة، من أجل القدوم إليها للعلاج..
ويولي المؤلف الكثير من الاهتمام لشرح دور بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، الشيوعية سابقا، في مجال «السياحة الطبيّة». كما يربط بين انتشار هذه «السياحة» وتوسّعها وبين نمو المنظومات الصحيّة في إطار العولمة السائدة. هذا مع الإشارة إلى دور السياسات المحليّة لمختلف الحكومات.
والإشارة في هذا السياق أن الصحّة ليست في عداد الأطباق الشهيّة وليست جهازا يمكن ضبطه على شاكلة الساعات الدقيقة. والإشارة أيضا أن الأمر يتعلّق في الحالة الهنغارية بالتجارة، أوّلا وأساسا، وليس في الطب، بالمعنى الدقيق للكلمة. وشرح أن الذهاب إلى الخارج من أجل العلاج كان مقصورا على «الأثرياء».
ويوثق الكتاب فيه المؤلف لظاهرة «السياحة الطبيّة» في إطارها الراهن. إن الكتاب يحكي عن ظاهرة مهمة تستفحل حاليا، مضمونها انتقال عشرات الآلاف من بلدانهم، إلى دول محددة غاية تلقي العلاج، كونه يعد بمقدورهم اقتصاديا العلاج حيث يقيمون.
ويشرح المؤلف أن السبب الأساسي الكامن وراء «السياحة الطبية»، هو الكلفة الاقتصادية بالنسبة لـ«السائحين الصحيين»، و«المنافسة لجلب هؤلاء» من قبل المؤسسات الخاصّة أو حتى المؤسسات الحكومية العامّة.

