يرتبط تاريخ الاقتصاد إلى درجة كبيرة بتاريخ العملة. ذلك على أساس أنها كانت باستمرار صلة وصل حقيقية بين ما هو فردي وما هو جماعي. هذا فضلاً عن أنها ذات علاقة وثيقة بمختلف مشارب الاقتصاد وأزماته الاقتصادية والمالية والتضخّم والديون ومنظومة النقد العالمية والسيادة الوطني... الخ. هذا فضلاً عن تداخلاتها مع مجالات التاريخ والاقتصاد السياسي بالدرجة الأولى.
إن فهم العملة بمختلف وجوهها وأدوارها وأشكال تبدّيها في الديناميات الاقتصادية والنمو الاقتصادي هو بالتحديد هدف الكتاب الذي يحمل عنوان «العملة، الديون والسيادة». مؤلف هذا الكتاب هو ميشيل اغلييتا، أستاذ الاقتصاد وأحد أشهر الأخصائيين في أوروبا فيما يتعلّق بـ«الاقتصاد المالي» والذي سبق له وقدّم عددا من الأعمال حول العملة. ويتعاون في هذا العمل الأستاذان الجامعيان للاقتصاد بيبيتا ولد احمد وجان فرانسوا مونسو.
إن مؤلف هذا الكتاب يعود إلى رصد مسار تاريخي يمتد على آلاف السنوات منذ ظهور مفهوم العملة بأشكالها الأولى حتى الوقت الراهن. ذلك من أجل تبيين مدى الترابط العضوي بينها وبين مفهوم السيادة الوطنية من خلال «التحولات المتزامنة للمنظومات السياسية والمنظومات النقدية»، كما يشرح.
ويشرح أن العملة هي في جميع الحالات تعبير عن «رابطة اجتماعية ذات وجهين». فمن جهة هي «ضرورة وواجب»، ومن جهة أخرى هي «انفتاح على التبادل على الآخر والثقة فيه». وفي جميع الحالات تكون الثقة بعملة ما هي تعبير عن «الانضواء في إطار مشروع جماعي» وتعتمد في أساسها على قاعدة «السيادة الوطنية» وهي تستمدّ قوتها من هذه السيادة.
وبهذا المعنى أيضا يتم التأكيد أن «العملة ليست سلعة بل هي تعبير عن عقد اجتماعي». وعقد اجتماعي بين المجموعة البشرية التي تتعامل بها وبين الأفراد الذين يساهمون عبر نشاطاتهم ببناء تلك المجموعة وفي تنظيم المبادلات باعتبارها الوسيلة المقبولة من الجميع.
ومن هنا أيضا تلعب العملة دور الرابطة الاجتماعية الأكثر عموميّة يقبلها الجميع دون نقاش ودون أن تكون هناك قابلية لنقاشها أو نقاش علاقتها البنيوية مع مفهوم السيادة المستبطن. هذا مع قبول مبدأ اللجوء إلى الاستدانة بحيث يتحمّل أفراد المجتمع المعني بها أعباءها وما يترتب عليها.
وفي مثل هذا السياق يتعرّض المؤلف لشرح خصوصية «العملة الأوروبية الموحّدة ــ اليورو». ذلك أن هذه العملة «المشتركة بين مختلف بلدان منطقة اليورو لا تعتمد على سيادة وطنية، بل بالأحرى على مجموعة من القيم والقبول بنوع من الانتماء إلى مجال»اقتصادي واحد«.
لكن هذا لا يلغي واقع أن»البنك المركزي الأوروبي«الذي يعنى بالمسائل النقدية لمختلف بلدان منطقة اليورو لا يمتلك في واقع الأمر أية»سلطة سيادية«. ذلك أن»السيادات الوطنية«لمختلف بلدان هذه المنطقة» لا تخضع لمبدأ تراتبي «يعطي للعملة»قيمة رمزية سيادية«.
ولا يتردد المؤلف في التأكيد أنه في عالم تنتظم فيه المجموعات الإنسانية في أمم وشعوب تمثّل العملة المتداولة في تلك الأطر جزءا من السيادات الوطنية. وفي جميع الحالات ترقى العملة من حيث تعبيرها عن المنظومة الاجتماعية المعنيّة بها على كل ما هو سياسي، حسب التحليلات المقدّمة.
ومن السمات التي يتم تأكيدها بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي أنه»مقطوع الصلة أكثر من أيّة منطقة أخرى في العالم بالدولة المركزية«، بالتوازي مع واقع أنه يعاني من تنوّع، هذا إذا لم يكن»تناقض«، المصالح بين مختلف البلدان الأعضاء وما يجعل مهمّته صعبة في تحقيق»الصالح العام«الأوروبي.
ومن العقبات الكبرى التي يوجهها البنك المركزي الأوروبي وإسقاطات ذلك على البنوك المركزية لمختلف البلدان الأعضاء يتم الوصول إلى نتيجة مفادها أن منطقة اليورو، وأبعد منها الاتحاد الأوروبي، هي في حالة عجز عن»أن تقوم مجتمعة سياسات فعّالة في جميع الميادين«. وبالتالي يتمّ العيش في»مجال نقدي مشترك«ولكن دون أن يكون مجالاً عاماً»يتمتع بالقدر المطلوب من السيادة«ودون مؤسسات تسمح بدرجة عالية من التنسيق ومن الخيارات الجماعية.
ونتيجة للواقع الذي يواجهه البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية لمختلف بلدان منطقة اليورو يصف المؤلف العملة الأوروبية الموحّدة أنها»عملة غير مكتملة«. ذلك خاصّة من حيث إنها لا تعبر عن مفاهيم السيادة التي تربط بين الدولة والعملة الوطنية التابعة لها.
هذا مع الإشارة إلى»الغموض«الذي رافق الأسباب التي كانت وراء قيامها. هذا كلّه على خلفية افتقارها إلى الإطار الدستوري الذي يمكن أن يمنحها السيادة. أمّا البنك المركزي الأوروبي فهو يمثّل»هيئة اتحادية«، تنظّم أسسها وعملها»اتفاقية عالمية«، بين مجموع من الأمم التي لا يوحّد بينها أي دستور وليس للعملة فيها أيّة»ديون اجتماعية«يسددها الأفراد الذين ينضوون في إطارها.
وبالوقت نفسه ليس هناك أي»دستور اتحادي«. أمّا الديون المترتبة على كل دولة من دول منطقة اليورو فيتم النظر لها على أنها بمثابة ديون بـ»عملة أجنبيّة«وبالتالي تبرز عدم قدرتها على التسديد. وكانت تلك هي الحالة التي واجهتها اليونان.
وفي معرض المقارنة بين منطقة اليورو والولايات المتحدة من حيث النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة يعيد اغلييتا نجاح أميركا في تحقيق نمو اقتصادي أفضل إلى كون أنها تصرّفت بصورة أكثر فعالية بمواجهة أزمة 2008 وقامت مباشرة بإعادة ترميم بنية بنوكها ثمّ تبنّت سياسة ميزانية أفضل. بالمقابل انطلقت أوروبا في سياسة تقشّف مع غياب أيّة سلطة قرار حكومي يحظى بالقدر المطلوب من الانسجام.
ومن الأفكار الأساسية التي يتم التأكيد عليها أن العملة ومجالات تداولها وأدوارها المختلفة تتطلّب بالدرجة الأولى»بناء الثقة وتعزيزها«. ذلك على أساس أنه»من تخريب تلك الثقة تولد الأزمات" التي يكون منها أن تؤدي بالضرورة إلى شلّ النشاطات الاقتصادية.

