كما يحدد الأسباب البعيدة لتأسيسه وأهدافه وتاريخ نجاحاته وأشكال فشله ومنعطف سنوات الثمانينيات من القرن ال20، وبروز ما يشبه «حزباً جديداً»، حسب التوصيف المستخدم. هذا مع استعراض أعمال بعض قياداته منذ البداية ووصولاً إلى توني بلير وغوردون براون. وتاريخ 115 سنة في 400 صفحة.
من المعروف أن الحياة السياسية البريطانية الحديثة عرفت، على غرار القسم الأعظم من البلدان التي تنضوي تحت تسمية الديمقراطيات الغربية، التناوب على الحكم بين تيارين عريضين ينضويان تحت لافتتي اليمين واليسار. وما يجد ترجمته في الواقع البريطاني بحزبين أساسيين كبيرين هما حزب المحافظين من جهة وحزب العمال من جهة أخرى.
و«تاريخ حزب العمّال البريطاني» هو موضوع كتاب «اندرو ثورب»، المؤرّخ البريطاني وأستاذ التاريخ الحديث في جامعة اكستير لسنوات وحيث يدير اليوم في نفس الجامعة الأبحاث حول مجالي العلوم الإنسانية والاجتماعية. يحمل الكتاب عنوان «تاريخ حزب العمال البريطاني».
تجدر الإشارة بداية أن هذه هي الطبعة الرابعة من هذا الكتاب ــ المرجع. وكانت طبعته الثالثة قد صدرت عام 2008 ــ صدرت طبعته الأولى عام 1997 ــ فأتت الطبعة الجديدة لتستكمل تاريخ حزب العمال البريطاني حتى عام 2015 بعد إعادة النظر جذرياً بالطبعة السابقة من حيث تبنّي «مقاربات جديدة»، كما تتم الإشارة في المقدّمة، وبعد تكريس العديد من الصفحات الجديدة لسنوات حكم العمّال الأخيرة.
يشير المؤلف بداية أن هذا الكتاب يغطي بشكل خاص فترة 13 سنة تولّى فيها حزب العمال البريطاني مقاليد الحكم في البلاد في ظل حكومتي توني بلير وغوردون براون ليجد نفسه في «المعارضة» من جديد.
يكرس المؤلف الفصل الأول من الكتاب للبحث في تلك الفترة التأسيسية والنتائج الانتخابية المتواضعة التي حققها الحزب في الانتخابات التشريعية لعام 1906. ويحدد المؤلف القول في هذا السياق أن نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 كان «نقطة انطلاق» بالنسبة للمسار القادم الذي شهد «تعاظم دور حزب العمّال» على الساحة السياسية البريطانية.
بل يؤكّد أن بروز الحزب ارتبط بـ«التحوّلات التي ترتبت على تلك الحرب» بالنسبة للمجتمع البريطاني. وكانت ترجمة ذلك على أرض الواقع أن الحزب نال عام 1918 في الانتخابات التشريعية 57 مقعداً في مجلس العموم البريطاني ــ البرلمان ــ، مما شكّل بالنسبة له قفزة كبيرة. وغدا اعتباراً من عام 1922 في موقع «المعارضة الرسمية للحكومة المحافظة»، للمرّة الأولى في تاريخه.
ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات أن حزب العمال البريطاني شهد تحوّلات كبرى في تكوينه خلال عقد الثلاثينات من القرن الماضي، حيث أراد أن يكون صوتاً وصدى للحركة العمالية البريطانية التي أثبتت آنذاك قوتها.
ووجد ذلك التحوّل صداه في «الأطروحات الإيديولوجية» للحزب. ويشرح المؤلف في السياق كيف أن الحرب العالمية الثانية كانت «فرصة» لحزب العمّال كي يفرض نفسه في موقع «المنافس لحزب المحافظين».
ومن الميزات الأساسية التي يؤكّد عليها «ُثورب» أن النجاح الذي حققه حزب العمال آنذاك يعود بالدرجة الأولى إلى «تماسكه ووحدته الداخلية». ثم يشرح أن مثل تلك الورقة لم تكن من بين ميزاته باستمرار في الفترات اللاحقة من مسيرته حيث عرف العديد من الانقسامات والمنعطفات.
بعد الحرب العامية الثانية وجد حزب العمّال مكانته في قيادة عدد من الحكومات البريطانية.ويصف المؤلف تلك الفترة أنها كانت «الأكثر نجاحاً» بالنسبة للعمّال البريطانيين. ويحدد القول إن الفضل الأول في ذلك كان يرجع أيضاً لـ «وحدة صفوف الحزب». البرهان الذي يقدّمه على ذلك هو مضمون النقاشات التي ثارت داخله بخصوص تأميم صناعة الحديد.
حركة «الانكفاء والتقهقر» التي أعقبت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية بالنسبة لحزب العمال البريطاني يعيدها المؤلف بالدرجة الأولى إلى «شيخوخة قياداته» و«بروز الانقسامات داخله». ويشرح أن هذه الانقسامات بالتحديد هي التي تأسست عليها فيما بعد الأزمة الكبيرة التي عاشها حزب العمّال البريطاني وكادت أن تعصف به في سنوات الثمانينات المنصرمة.
ويكرّس المؤلف الفصل الحادي عشر من الكتاب لشرح ما يسميّه «آليات تحديث» حزب العمّال وبروز «نسخة جديدة» له تحت عنوان «حزب العمّال الجديد».«حزب العال الجديد في السلطة»، هو موضوع الفصل ما قبل الأخير في هذا الكتاب. ويكرّسه المؤلف بشكل أساسي لما يصفه بـ «نجاحات توني بلير وإخفاقاته».
وفي الفصل الأخير من هذا العمل يركّز المــؤلف على رئيس الوزراء العمّالي «غوردون براون». ويعيب عليه أنه لم يلجأ إلى إجراء انتخابات تشريعية عام 2007 حيث كان «حظّه الأوفر للفوز» لتكون هناك بالمقابل هزيمة 2010. بالمقابل يثني على سياسة براون بمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت في خريف عام 2008.
والكتاب، بوجه عام، مرجع شامل عن تاريخ حزب العمّال البريطاني بحيث إنه يغطي تاريخ هذه القوّة السياسية الكبرى، منذ تأسيسها عام 1900 وصولاً إلى عام 2015. كما يحدد الأسباب البعيدة لتأسيسه وأهدافه وتاريخ نجاحاته وأشكال فشله ومنعطف سنوات الثمانينيات من القرن ال20، وبروز ما يشبه «حزب جديد»، حسب التوصيف المستخدم.

