في خريف عام 2008 انفجرت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية انطلاقا من الولايات المتحدة الأميركية. ويتفق المراقبون والأخصائيون أنها لم تكن وليدة يومها ولكنها نسجت خيوطها على مدى السنوات التي سبقت انفجارها. ولا تزال آثار تلك الأزمة قائمة إلى اليوم بينما يترقب كُثر إمكانية نشوب أزمة جديدة ربما تكون أكثر حدّة من الأزمة الأخيرة.

في مثل هذا السياق صدر كتاب أثار اهتمام الكثيرين لمؤلفه «محمد العريان»، أحد الاقتصاديين الأكثر نفوذا في العالم اليوم وأحد المستشارين الاقتصاديين المقرّبين من الرئيس الأميركي باراك اوباما والمدير السابق لمجموعة «بيمكو» الأميركية للاستثمار. يحمل الكتاب عنوان «اللعبة الوحيدة في المدينة»، ويناقش المؤلف فيه المسائل المتعلّقة بـ «البنوك المركزية وغياب الاستقرار ولانهيار القادم»، كما جاء في عنوانه الفرعي.

ويحدد محمد العريان منذ الصفحات الأولى في الكتاب مجموعة من «التحديات» التي سيكون على الاقتصاد العالمي مواجهتها كي يتجنّب مزالق وأزمات قد تكون أكثر خطورة من الأزمة المالية الأخيرة. والتأكيد بأشكال مختلفة في هذا الكتاب أن العالم يمكن أن يتجه نحو أزمة أكبر وأعمق، وبهذا المعنى يستخدم تعبير «الانهيار» كخطر مهدد.

على رأس هذه التحديات: «النمو المتباطئ» و «البطالة طويلة الأمد» و«التفاوت الهائل في الدخل» و«نقص الثقة في المؤسسات» و«خلل آليات عمل السياسات الوطنية» و«عدم كفاية درجة التنسيق في السياسات الوطنية المعنيّة» و«ظاهرة تعاظم الهجرات» و«تهديد المخاطر المالية» و«وهم وفرة السيولة النقدية» و«جنوح الأسواق المالية» وفي محصّلة ذلك كلّه شيوع «مناخ اقتصادي عام يعيق النمو الاقتصادي» باعتباره «مفتاح المستقبل».

إن المؤلف يكرّس عشرة فصول قصيرة من أجل مناقشة كل تحدٍ من التحديات التي يرى أنه ينبغي على العالم مواجهتها. والتحديات المطروحة ليست جديدة في واقع الأمر، لكن المؤلف يطرح أساسا السياق الذي انتجها ويقترح ما يراه سبلا من أجل مواجهتها، بطريقة تعالج أسبابها.

ولا يتردد العريان في التأكيد أن مواجهة هذه التحديات وإيجاد حلول فعّالة لها تمثّل احد الضمانات، ليس للمجتمعات الراهنة فحسب، ولكن أيضا، وربما خاصّة، لأجيال المستقبل. والتأكيد ايضا أن التأخير في العمل الجدّي لإيجاد الحلول يمكن أن يجعل التحديات أكثر تجذّرا، وبالتالي تغدو الحلول نفسها أكثر صعوبة وتعقيدا. خاصّة أن «طريقنا الاقتصادي الحالي وصل إلى نهاياته»،كما يشرح. من هنا يقوم برسم نوع من «خارطة الطريق» بمنظور مستقبلي.

ومن الأفكار التي يتمّ التأكيد عليها في هذا السياق أن النمو الاقتصادي العالمي سيكون «ضئيلا لفترة طويلة». هكذا يرى في نفس السياق ونفس النهج من التحليل أن النهوض من جديد يستدعي بالضرورة اللجوء إلى «حلول» من طبيعة جديدة بحيث تلعب دور المحرّك للخروج من حالة الهمود القائمة التي يسميها المؤلف «الكساد المزمن» والتي تهدد بالاستمرار لفترة طويلة.

ومسألة الاستمرار الزمني «الطويل» يفرز هو نفسه، كما يشرح المؤلّف، مجموعة من المشاكل التي تمارس «ضغطا» كبيرا على المجتمعات والحكومات. وفي مقدّمة تلك الضغوط ــ التحديات «تعاظم ظاهرة البطالة» بالتوازي مع «زيادة عمق هوّة التباين الاجتماعي». ويشرح المؤلف أن السنوات القادمة تحمل الكثير من العقبات التي تتطلب البحث عن حلول لأوضاع لا تحتمل التأجيل كثيرا.

هذه التحديات كلّها تجد مكانها في تحليلات المؤلف الذي يشرح أن أحد مواطن الخلل الكبرى في عمل الاقتصاد العالمي يكمن في «مبالغة الدول في تبعيتها للبنوك المركزية». هذا وصولا إلى التأكيد أن الأمر يتطلّب «مراجعات في العمق» والقيام بـ «إصلاحات بنيوية» للمنظومات المالية القائمة.

هذا لا سيما وأن الأزمة المالية الأخيرة «زادت من سلطاتها ــ البنوك المركزية ــ وبالتالي من مسؤولياتها». وغدا عليها عدم الاستمرار في «المضاربة المالية» للحصول على الكسب السريع والتوجّه بالأحرى نحو «الاستثمار». وبهذا المعنى غدت هذه البنوك بمثابة «اللعبة الوحيدة في المدينة»، كما يشير العنوان. ذلك أنها صاحبة الدور المركزي في الاقتصاد اليوم.

والتأكيد أنه لا بدّ من الخروج من «التبعية المفرطة» للبنوك المركزية. والسبيل إلى ذلك يجده المؤلف في الدور الذي يلعبه النظام السياسي. وخاصّة على خلفية التأكيد أن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الأخيرة ليست «مجرّد صدمة» مثل تلك التي تضرب بين فترة وأخرى البلدان المتقدّمة. وبالتالي تنبغي مواجهة الوضع القائم بطرق جديدة.

والتحديات المطروحة تتطلّب بالضرورة حلولا قابلة للاستمرار على المدى الطويل وجديرة بتحقيق حالة من الاستقرار والنمو مما يساعد على إيجاد حلول لمشاكل يمكن أن تغدو مزمنة، مع ما يترتب على ذلك من شبح الاضطرابات من كل نوع. والتأكيد أن عدم ولوج سبل الاستقرار المالي والاقتصادي والنهوض يعني التقهقر والكساد...وفي المحصّلة «الانهيار».

ومن المسائل التي تؤكدها التحليلات المقدّمة في أن أية خطط إصلاحية في منظور المستقبل الأكثر استقرارا هناك: «الاستثمار في البنى الأساسية، وتفعيل أسواق العمل من أجل مكافحة البطالة والعمل على ردم الهوّة الكبرى على صعيد التفاوت في الدخل»، خاصّة في المجتمعات المتقدّمة.

المثال الصارخ على مثل هذا التفاوت يجده المؤلف في الولايات المتحدة الأميركية ويعتبره أحد معوقات النمو الاقتصادي الأميركي. وهذا يوازيه من حيث إعاقة النمو الاقتصادي المبالغة في التقشّف الذي تعرفه بلدان القارّة الأوروبية. وكتاب يساعد على فهم أين يتجه العالم الذي نعيش فيه.

إصلاح «حقيقي»

في المحصّلة يؤكّد محمّد العريان في هذا الكتاب، على ضرورة القيام بعملية إصلاح لمختلف المؤسسات على المستويات الثلاثة، الوطني والإقليمي والعالمي. والعمل على تحقيق نمو اقتصادي هام وبسرعة للوصول إلى مواجهة «حقيقية» لمختلف التحديات بهدف الخروج من الطريق المسدود الاستقرارالاجتماعي والمالي ومكافحة البطالة...الخ.