أحد عناوين الأزمة التي تعيشها أوروبا منذ سنوات، يتمثّل في اليونان التي وصلت حدّة الأزمة التي تعاني منها إلى حد الاقتراب من الإفلاس والخروج من منطقة اليورو وحتى من الاتحاد الأوروبي.
ولعلّ من أشهر الشخصيات اليونانية التي برزت على الساحة وزير المال السابق «يانيس فاروفاكيس» الذي استقال من الحكومة التي يرأسها «اليكسيس تسيباراس» بعد الاستفتاء الشعبي الذي عرفته اليونان في شهر يوليو من عام 2015 وقال فيه اليونانيون «لا» لسياسة التقشّف. وأيضاً بعد فشله في المفاوضات التي كان يقوم بها مع نظرائه من وزراء المال في بلدان منطقة اليورو للوصول إلى حلّ لأزمة بلاده.
يانيس فاروفاكيس، الوزير السابق والأستاذ الحالي في جامعة تكساس، اوستن، الأميركية ومؤلف العديد من الكتب، يعود من جديد لتقديم تحليلاته للأزمة الأوروبية وآثارها على مستقبل الاقتصاد الأميركي وأبعد من ذلك على الاقتصاد العالمي. ذلك في كتاب صدر في مطلع شهر أبريل من هذه السنة تحت عنوان «الضعفاء يتحمّلون ما عليهم» ويناقش فيه «الأزمة الأوروبية ومستقبل اقتصاد أميركا»، كما جاء في عنوانه الفرعي.
تجدر الإشارة أن عنوان هذا الكتاب مأخوذ من مقولة كتبها الفيلسوف اليوناني الشهير «توسيديد» في القرن الخامس قبل العصر الميلادي ونقلها عن جنرال من أثينا قالها آنذاك أثناء حرب «البوليبينيز» ومفادها «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون فعله، والضعفاء يتحمّلون ما عليهم تحمّله». ويستعيدها مؤلف هذا الكتاب اليوم بهذا الشطر الثاني بالنسبة لليونان واليونانيين.
وهذا الكتاب يمثّل بالدرجة الأولى نوعاً من التأريخ الاقتصادي والسياسي لمسيرة توحيد القارّة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الحقبة الحاضرة. والمادة الأساسية التي يعتمد عليها المؤلف هي الوثائق الأوروبية والأميركية، إضافة إلى سلسلة من الشهادات التي يقدّمها أولئك الذين عاصروا الأحداث والسياقات التي يتعرّض لها المؤلف.
ومما يكتبه المؤلف عن أسباب تحريره هذا الكتاب، ويشير في الوقت نفسه إلى توجهه النقدي فيه، ما مفاده: «موضوع هذا الكتاب مفارقة حقيقية تكمن في أن الشعوب الأوروبية التي عرفت، حتى الآن، كيف تتوحّد بشكل رائع جدا، قد انتهت إلى الانقسام حول العملة الموحّدة». بهذا المعنى يكمن أحد المحاور الرئيسة للكتاب في شرح الكيفية التي جعلت المؤسسات الأوروبية تلعب دور «من يدفع الشعوب الأوروبية إلى الانغلاق تدريجيا بينما كان عليها أن تساهم في انفتاحها وتحررها».
ومؤلف الكتاب يتوقّف طويلاً عند تعرّضه لللآليات ولـ «الأسرار» التي تمّ على أساسها قيام البناء الأوروبي بالصورة التي هو عليها اليوم..ويقدّم رؤية مخالفة للرؤية «التمجيدية» السائدة عن مسيرة التوحيد الأوروبي.
هكذا يكشف مثلاً أنه بالإجابة عن سؤال طرحه: «كيف استطاع المفاوضون اليونانيون في 2001 إقناع ألمانيا بقبول انضمام اليونان إلى منطقة اليورو؟»، أجاب أحد المفاوضين المعنيين قال له: «كان علينا فقط أن نقتبس النسخة التي استخدمها الإيطاليون ــ فيما يتعلّق بالغش حول معايير الانضمام في عام 2000 ــ إضافة إلى بعض الحيل التي كانت ألمانيا نفسها قد استخدمتها. وهددنا بأننا قد نكشف للعالم ما كانت ألمانيا وإيطاليا قد استخدمتاه».
هذا مع التركيز على القول أنه لا ينبغي «نكران» واقع أن شعوب القارّة الأوروبية كانت «ترغب بقوّة» قيام أوروبا الموحّدة بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى خلفية «دفن فؤوس الحروب» التي دفعت شعوب القارّة ثمنها غاليا. بهذا المعنى يؤكّد المؤلف وجود «حركة أوروبية حقيقية» لا تزال قائمة وفاعلة همّها الأوّل والكبير هو «إبعاد شبح الحرب» فوق الأرض الأوروبية.
لكن مع التأكيد أن هذا شيء وحقيقة ما كان وراء البناء الأوروبي الموحّد بالصورة التي هو عليها اليوم شيء آخر؛ يقصد فيه المؤلف الإرادة والسياسات الأميركية. هنا يعود قليلاً إلى الوراء كي يشير أنه بعد الحرب العالمية الأولى تمّ الاتفاق بين الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا على أن تصبح ألمانيا «بلداً زراعياً».
وفي المحصّلة العامّة يرى المؤلف أنه لا تزال هناك فرصة لتصحيح المسار الأوروبي المشترك. لكن مع كثير من الجهد وبتطبيق العديد من الممارسات التي ليس أقلّها أهمية «الشفافية»، في كل ما يتعلّق بالشأن الأوروبي العام.
وفي العموم، ما تؤكده التحليلات المقدّمة أنه ينبغي بالأحرى، إذا كان يراد فعلا للاتحاد الأوروبي أن يعمل بصورة جيّدة، التدقيق والتمحيص في السلبيات من أجل العمل على كيفية «إصلاحها» في المستقبل ووضع أوروبا على السبيل الذي يمكن أن يدفع بجميع شعوبها نحو الأمام وليس توظيف البناء الأوروبي لخدمة بعض المصالح الخاصّة.
