هناك فئة من البشر أُطلق عليها توصيف «المعذّبون في الأرض». وهذا التعبير عنى أولئك الذين يعيشون في المستويات الدنيا بمجتمعاتهم ويعانون من مختلف أشكال الاضطهاد.

هذه الفئة تجد اليوم تعبيرها في المجتمعات الغربية عموماً بأولئك العاطلين عن العمل، والذين يعانون من الهشاشة في حياتهم عموماً، بحيث إنهم يعتاشون على المساعدات الاجتماعية التي تقدمها لهم المؤسسات العامّة أو المساعدات العائلية. وبالإجمال، يجمع بينهم أنهم لا يملكون أيّة وسيلة حقيقية من أجل تحسين مصيرهم أو أوضاعهم الاجتماعية.

هذه الفئة هي التي تُطلق عليها صفة «غير المفيدين» أو «عديمي الفائدة». وهذه الفئة بالتحديد هي التي يعالجها في كتابه «بييرنويل جيرو»، الباحث الفرنسي والأستاذ الجامعي للاقتصاد، ومؤلف العديد من الكتب التي أثارت الكثير من النقاشات عند صدورها.

عنوان الكتاب هو «الإنسان غير المفيد». ويناقش فيه المؤلف بالتحديد ظاهرة «الهشاشة» في المجتمعات الغربية ذات الطابع الفردي المفرط. ويشرح آليات عمل الاقتصاد في هذه المجتمعات التي تترك بعض أبنائها «عمّالاً بدون عمل وفلاّحين بدون أرض»، حسب التعبير المستخدم.

ولا يتردد «بيير نويل جيرو» في تأكيد أن التهميش الاجتماعي أو وضع الإنسان في خانة «عدم الفائدة» يمثل أقسى درجات الإقرار بالتفاوت الاجتماعي والابتعاد عن مبدأ المساواة. وليس «أقسى» تلك الدرجات، بل أيضا وخاصّة «أسوأها» في واقع تعثّر سبل العيش.

ولكنه أيضاً، وهذا أحد مصادر خطره الكبرى، كما يشرح المؤلف، يؤدي إلى «تآكل الجسد الاجتماعي» ويجتاح عالم السياسة وصولاً إلى خطر الدفع إلى «الحروب الأهلية». ويرى أن «غير المفيدين» يعانون في ظل العولمة واقتصاد السوق من حالة «عدم القدرة على تحديد المسؤول عن مصيرهم. وضد من عليهم أن يناضلوا ومع من عليهم أن يتحالفوا». هكذا «تنفتح أمامهم أشكال أخرى يجدون هويتهم بها مثل الانتماء الطائفي أو غيره».

ويتابع المؤلف في النهج نفسه من التحليل لـوضع «غير المفيد»، أنه يدفع من يعاني منه إلى «سراديب جوفية عميقة» لا يغدو بإمكانه الخروج منها بعد ذلك. من هنا بالتحديد، يرى أن إدراك واقع «الإنسان غير المفيد» يساعد على فهم «فوضى العالم» الذي نعيش فيه.

الوجه الآخر لمحاولة البحث في آليات تكوّن «الإنسان غير المفيد» تمثّل في تحليله على مدى القسم الأكبر من صفحات هذا الكتاب، لتحليل آليات عالم الاقتصاد السائد اليوم والبحث في طرق عمله وأهدافه وأدواته.

ومن المسائل التي يؤكّد عليها بأشكال مختلفة أن «اتساع الهوّة» بين طبقتي الأغنياء والفقراء دفعت الطبقات الوسطى ثمنها في البلدان المتقدّمة القديمة، ويقصد المتمثّلة أصلاً بالعالم الغربي. كما يحمّل العولمة ــ مع التأكيد على فضائلها الكبرى ــ بعض المسؤولية عن دخول تلك الطبقات الوسطى المعنية في «منافسة» غير متكافئة نتيجة «صعود» البلدان ذات الأجور المتدنية.

هذه الحالة التي تمّ الوصول لها في هذا العالم يصفها المؤلف بالجملة التالية: «عديدون اليوم هم أولئك الذين يعانون من عدم القيمة والذين لا يمكن استثمار جهودهم في شيء والمهمّشون والمستبعدون والذين جرى دفعهم إلى سراديب عميقة؛ وبكلمة واحدة من غير المفيدين للآخرين ولأنفسهم».

وما يؤكّده المؤلف، أن فهم الواقع الحاضر اليوم له أهمية جوهرية من أجل استقراء بعض ملامح ما ستكون عليه الأوضاع في المجتمعات المعنيّة خلال العقود القليلة المقبلة.

ويطرح بهذا الصدد عدداً من الأسئلة من نوع: ماذا ستكون عليه العلاقة مع الطبيعة؟ وماذا سيترتب على أشكال العولمة السائدة، الرقمية منها والمالية بشكل خاص، على صعيد «أعداد غير المفيدين»؟ وماذا سيكون عليه سوق العمل في هذا القرن الحادي والعشرين؟.

ويشير المؤلف إلى الأهمية الكبرى التي يكتسيها ما يعتبره «المنعطف الحاسم الذي سيعرفه العالم». ويقصد بذلك تناقص عدد السكان فيه. إنه يحدد زمن مثل هذا المنعطف بعد قرن من الزمن وسيكون السبب الرئيسي في ذلك هو تناقص عدد الولادات. مثل هذا المنعطف يتطلّب منذ الآن التفكير فيه، كما يشرح.

من أهم المفاهيم التي يطوّرها المؤلف في هذا العمل هو أن «البشر لا يتم استثمارهم بدرجة كافية من قبل الرأسمالية المعولمة». ذلك على أساس مقولة مفادها أن «الدينامية» التي انتجتها «ليست بحاجة لهم». ويرى أن وضع حدّ لهذا الوضع «القلق بالنسبة للمستقبل» يتطلّب خلق دينامية جديدة على الصعيد العالمي.