هناك تواريخ تبقى في الذاكرة الجماعية. هكذا ترسّخ عام 1914 في الذاكرة الجماعية للإنسانية بأنه شهد انطلاق الحرب الكونية الأولى التي استمرّت حتى عام 1918؛ وترسّخ عام 1939 أنه تاريخ نشوب الحرب العالمية الثانية؛ كما ارتبط عام نهاية تلك الحرب، أي 1945، باستخدام السلاح الذرّي للمرّة الأولى في التاريخ الإنساني عندما قصف فيه الأميركيون مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين.
ومن تلك التواريخ التي بقيت راسخة في أذهان كُثر هناك عام 1956. وقد اختار المؤرّخ الأميركي وأستاذ التاريخ الأميركي في جامعة «ليدز» البريطانية، أن يؤرّخ لما شهدته تلك السنة على الصعيد العالمي من أحداث في كتاب يحمل عنوان «1956: العالم يتمرّد».
تجدر الإشارة أن صدور هذا العمل يتزامن مع الذكرى الستين على ذلك العام الذي شهد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، وانتفاضة بودابست ضد الهيمنة السوفييتية وقمعها بالحديد والنار، والكثير من الأحداث والحركات الكبرى التي يعود المؤلف لها.
لا يتردد المؤلّف - المؤرّخ في التأكيد أن عام 1956 يمثّل أحد المنعطفات الكبرى في تاريخ العالم. ذلك أنه شهد سلسلة من الأحداث التي عبّرت عن رغبة «القطيعة» مع ما سبقه وأسست لما ترك بصماته الدائمة على مدى العقود الستة التي أعقبته حتى اليوم.
ويتميّز هذا العمل بالرؤية الشاملة للأحداث التي يرصدها المؤلف ويحللها في سياقها التاريخي وما ترتب عليها فيما بعد. هكذا يعود بنوع من الجرد للأحداث الكبرى التي شهدها عام 1956 شهرا بعد شهر. ويبدأ الكتاب بعمليات الاعتداء التي تعرّض لها منزل القسّ الأسود «مارتن لوثر كينغ» في مونتغمري، بألاباما، وينتهي بقرار إنهاء مقاطعة السود للركوب في حافلات النقل العام بعد عام من تطبيقه.
ويتعرّض في بقية صفحات الكتاب لسلسلة من الأحداث «المتفرّقة» التي تبدو أن «لا رابط بينها» ولكنها تنمّ، حسب رؤية المؤلف، عن منطق «تحرري» ساد خلال فترة نهاية الحقبة الاستعمارية التي عرفت أوجها خلال القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين. وواكب ذلك المنطق حركات التحرر الوطني، كما يشرح المؤلف بالتوازي مع ذلك.
والوجه الآخر لذلك التوجّه التحرري يجده المؤلف في بداية «الانحدار» في قوّة الإمبراطوريتين الاستعماريتين الرئيسيتين، أي البريطانية والفرنسية. وهذا ما يجد مؤشراته في خلفيّة أحداث عام 1956 في عدد من البلدان الإفريقية، وفي مصر وقبرص والجزائر. كما يجد أن نضال السود في الولايات المتحدة من أجل نيل حقوقهم المدنية كان يصبّ في نفس المنحى.
هكذا يتم تحديد صورة «العالم الذي يتمرّد»، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب، في أحداث وحركات وتوجهات عرفها عام 1956 في إطار طيف واسع يمتد من النضال من أجل الحقوق المدنية للأميركيين من أصول إفريقية ــ السود وحتى «تجذّر» النضال من أجل التحرر الوطني في الجزائر وعدد من الدول الإفريقية وبداية حركات الاحتجاج ضد الهيمنة السوفييتية الشيوعية في هنغاريا وبولندة.
بهذا المعنى يرى المؤلف أن عام 1956 كان زاخراً بحركات «التمرّد على الظلم». ويشدد الكتاب على أن بداية تفكك «الإمبراطورية السوفييتية الســــابقة بدأ عملياً اعتباراً من عام 1956».
ويشرح أن تلك السنة شهدت الخطاب الشهير الذي ألقاه الزعيم السوفييتي نيكيتا خروشوف في جلسة سريّة أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي. والذي كان إشارة الانطلاق في منعطف ما بعد الستالينية وصولاً إلى فترة «الإصلاح» التي قادها ميخائيل غورباتشوف قبل سقوط جدار برلين 1989 ثمّ الانهيار النهائي للاتحاد السوفييتي السابق عام 1991 ووصولاً إلى روسيا ــ بوتين اليوم.
ويستعرض المؤلف احداث عام 1956، الذي عرف أحداثاً كبرى في التاريخ المصري الحديث، كما يشرح. فهو العام الذي أعلن فيه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس وإعادة ملكيتها لمصر.
ومن الأحداث الكبرى التي يتوقف عندها عام 1956 المسار الذي عرفته ثورة التحرير الجزائرية الرامية للاستقلال من تزايد عنف المجابهات مع القوّة الاستعمارية الفرنسية.
وكتاب يؤكّد مؤلفه أن عام 1956 عرف منعطفات عالمية هامّة وتحوّلات كبرى على صعيد العديد من البلدان. لكنه يشير أن العام نسي ذلك العام إلى حد كبير من حيث دلالاته بعد أحداث عام 1968 وسمتها الاحتجاجية التي عمّت أصداؤها مختلف مناطق العالم.
العموم، يرى المؤلف أن الانتفاضات الشعبية التي عرفتها هنغاريا ــ المجر ــ وأيضا بولندة في عام 1956 كانت بمثابة العواصف الأولى التي هزّت هيمنة موسكو على «إمبراطوريتها في أوروبا الشرقية والوسطى» آنذاك. والإشارة أن خطاب خروشوف كان أيضا بمثابة الإعلان عن أن الصرح السوفييتي نفسه، بالطريقة التي أشاده فيها جوزيف ستالين، كان قد أخذ بـ«التشقق».
