يتميّز التاريخ البريطاني بالكثير من التوترات الداخلية بين مكوّنات «المملكة المتحدة»، حسب التسمية الرسمية للبلاد التي تضم كلاً من انجلترا واسكتلندا وبلاد الغال وأيرلندا الشمالية. وكانت النواة الأساسية، الأولى، لقيام المملكة المتحدة هي عملية التوحيد بين مملكة انجلترا ومملكة أسكتلندا عام 1707.
لكن رغم الرابطة التاريخية بين انجلترا واسكتلندا وصلت الأمور في السنوات الأخيرة إلى حدّ طرح مسألة الخيار بين «الاستقلال والتوحيد»، كما يشير العنوان الرئيسي لكتاب «ت. م. دوفين»، المؤرّخ الأسكتلندي الأكثر شهرة في الحقبة المعاصرة وعضو الأكاديمية البريطانية.
والمؤلف ــ المؤرّخ مختص تحديداً بالتاريخ الأسكتلندي وصاحب كتاب «الأمّة الأسكتلندية» الصادر عام 1999 والذي بيع منه، كما يقال، في فترة ما من النسخ أكثر من عدد النسخ المباعة من الكتاب الشهير «هاري بوتر».. ويدرس في هذا الكتاب «ماضي اسكتلندا وحاضرها»، كما جاء في العنوان الفرعي.
إن المؤلف يقدّم في الصفحات الأولى للكتاب لمحة موجزة عن تاريخ اسكتلندا ليؤكّد من خلال ذلك على الروابط التاريخية بين انجلترا واسكتلندا وحيث كان البند الأوّل من وثيقة التوحيد الإنجليزي ــ الأسكتلندي لعام 1707 ينص على أن البلدين قد «توحّدا في إمبراطورية واحدة... إلى الأبد».
ولكن بالمقابل يصل بالوقت نفسه إلى التصريح أنه اقترع في استفتاء شعبي عام 2004 لصالح استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة. ويشير أنه بذلك غيّر من توجهاته «التاريخية» التي تدل عليها الامتيازات العلمية والمناصب التي تولاّها في المؤسسات العلمية والثقافية البريطانية.
وعلى قاعدة المسار الشخصي للمؤلف يقوم بمناقشة الحجج والدوافع في اتجاه التأكيد على الاستقلال أو بالمقابل في اتجاه دعم استمرار عملية التوحيد في إطار المملكة المتحدة. لكن المؤلف يشرح أن مثل هذا «التوجّه الثاني» لا يصمد أمام الواقع اليوم، كما يبدو في توجّه الرأي العام البريطاني نفسه. ذلك أن رئيس الوزراء البريطاني «ديفيد كاميرون» عبّر عن تمنياته بنقل «قدر أكبر من السلطات» للأسكتلنديين في بلادهم التاريخية.
ومن المسائل الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف بأشكال مختلفة أنه خلال الفترة الطويلة من التقارب في «الإطار التوحيدي المشترك» تمّت المحافظة على الخصوصيات الثقافية «الوطنية» بحيث انه يظل من السهل التفكير بإمكانية اللجوء إلى حلّ الاستقلال.
وإشارة المؤلف أن مثل هذا الحل قد يكون أكثر سهولة وقابلية للتطبيق من الأمل بالوصول إلى نوع من «التمثّل الكامل» للثقافتين الإنجليزية والأسكتلندية في «ثقافة وطنية واحدة» هذا مع تقديم الحجج والبراهين أن فترة «التوحيد» التي استمرّت لقرون أثبتت «استحالة» ذلك. من هنا يصف المؤلف عملية التوحيد الإنجليزي ــ الأسكتلندي أنها كانت «زواج مصلحة وليس زواج حب».
وإذا كان المؤلف الأسكتلندي يؤكّد على العديد من الجوانب «الإيجابية» التي تمّ تحقيقها خلال المسار التوحيدي الزمني الطويل، فإنه يؤكّد بالمقابل على أن الغالبية العظمى من هذه الجوانب «فقدت من فاعليتها». أو ربما أنها فقدت الدور الإيجابي الذي كانت تلعبه في فترة معيّنة لتغدو هي نفسها ذات «وقع سلبي» في سياق آخر.
والإشارة أن أشكال التباين، و«الاختلاف» في بعض الأحيان، الموجودة أصلاً بين «الكيانين» برزت أكثر فأكثر مع مرور الزمن. وكانت النتيجة الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف في تحليلاته هو أن المسارات التاريخية «المشتركة» قادت إلى نوع من «التباعد» بين أنجلترا وأسكتلندا. ذلك على خلفيّة مجموعة من العوامل التي دفعت في ذلك الاتجاه.
وليس أقلّ تلك العوامل فاعلية، حسب التحليلات المقدّمة، السياق العالمي، خاصّة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز قوتين عظميين هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق مقابل انحسار الدورين البريطاني والفرنسي، ثمّ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
تلك الأحداث ــ المنعطفات كلّها تمّت ترجمتها بالنسبة للمحيط البريطاني بـ«نهاية الإمبراطورية البريطانية» التي سادت لعقود طويلة على مساحات مترامية، وبزوال «مصدر التهديد الخارجي» الذي كان يمثّله تحديدا الاتحاد السوفييتي السابق. ونتيجة ذلك كلّه «فقدت الثقافة التوحيدية الإنجليزية ــ الأسكتلندية من تماسكها» هي الأخرى.
ذلك إلى جانب العديد من أشكال «التنافس» الضمني أو المعلن بين إنجلترا وأسكتلندا فيما يتعلّق بالسياسات الاقتصادية والاستثمارية. هكذا تتم الإشارة مثلا أن الأسكتلنديين نظروا بكثير من التشكك والريبة حيال توظيف مداخيل الثروات المتعلّقة بمواد الطاقة في بحر الشمال، من غاز وبترول، لخدمة سياسات المساعدات الاجتماعية التي تبنّتها السلطات المركزية في لندن.
وفي التوصيف الجامع للفروق بين إنجلترا واسكتلندا يصل المؤلف إلى القول ان الأسكتلديين بقوا باستمرار من معسكر الاجتماعيين ــ الديمقراطيين وقريبين من مواقع «يسار الوسط» سياسيا. ذلك في الوقت الذي بقيت فيه انجلترا محكومة «سياسياً» أيضا بالتنافس الكبير بين حزبي العمال والمحافظين الذين ابتعدوا كثيرا عن «التوجّه الأسكتلندي الغالب»، مثلما كان الأمر في ظل حكومة مرغريت تاتشر.
والكتاب ــ مساهمة كبيرة في النقاش الدائر في اسكتلندا خلال السنوات القليلة المنصرمة في محاولة الوصول إلى إجابة قاطعة لمعرفة عمّا إذا كانت «البلاد» سوف تختار «الاستقلال» عن المملكة المتحدة أم أنها ستختار «التوحيد»، مجددة بذلك ما نصّ عليه البند الأول من وثيقة توحيد المملكتين في عام 1707 والخاص بـ «توحيدهما الأبدي».

