يعرف الجميع أنه عندما وصل كريستوف كولومبوس ورجاله إلى أميركا «العالم الجديد» عام 1492 لم تكن تلك القارّة أرضاً فارغة من السكان. ولكنها كانت مسكونة بقبائل وشعوب ممن أطلقوا عليهم توصيف «الهنود الحمر». هؤلاء جرى دحرهم وحصارهم إلى أن أصبح من بقي منهم يعيشون في مناطق مغلقة «معسكرات» شبهها كُثر بـ«الحظائر».

بالمقابل ساد الأوروبيون البيض على مقادير البلاد واستخدموا العبيد الذين استقدموهم ضمن إطار تجارة العبيد التي استمرّت طويلا من إفريقيا خاصّة في مزارعهم. من هؤلاء «الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية» ينحدر الرئيس الحالي باراك أوباما.

وجرى شيء مماثل في كندا المجاورة حيال السكان الأصليين لما كان قد عرفه الهنود الحمر والأميركيون السود فيما أصبح الولايات المتحدة الأميركية. ومن أولئك السكان الأصليين ينحدر «واب كينو»، الصحفي والمذيع التلفزيوني الأكثر شهرة في كندا. العديد من المعلّقين يرون فيه «أوباما الكندي».

وواب كينو هو مؤلف كتاب «لماذا نمشي» الذي يروي فيه سيرة حياة أبيه، رئيس إحدى القبائل وممثل «الأمم الأولى» التي عرفتها القارّة الأميركية. وتعبير «الأمم الأولى» في كندا يطلقونه على السكان الأصليين للبلاد، كما يطلقون عليهم أحيانا توصيف «الهنود».

وفي هذا الكتاب يؤرّخ المؤلف، عبر سيرة حياة والده، لتلك «الأمم الأولى الكندية» التي يبلغ عدد أفرادها حوالي مليون نسمة وتتوزع بين حوالي «50 أمّة ومجموعة» يرأس أبوه واحدة منها هي «انيشيناب». لكن التميّز لأفرادها في كندا بالقياس إلى الولايات المتحدة هو أنهم يعيشون في أوساط المدن وليس في معسكرات مغلقة، كما هو الحال بالنسبة لـ«الهنود الحمر» الأميركيين.

ويشرح المؤلف على مدى الفصول الأولى من الكتاب المسار الصعب والشائك «بما يفوق التصوّر» لحياة والده الذي رحل بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، وحيث بقي الابن ــ المؤلف طيلة السنة الأخيرة من حياته إلى جانبه مبتعدا عن أي نشاط مهني.

ذلك باستثناء عملهما المشترك من أجل إيجاد وسيلة لـ«ترجمة لغتهم» بحيث يمكنها أن تحافظ على الحياة. تجدر الإشارة أن الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما كان قد كرّس الكثير من كتاباته الأولى للحديث عن «أحلام أبيه».

ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات لتلك الفترة التي أمضاها الأب في سنوات شبابه بإحدى المدارس الداخلية التي كانت الإدارة المسؤولة في كندا عن «شؤون الهنود» قد قررت إنشاءها. في تلك المدرسة التي تأسست في أواخر القرن التاسع عشر كان الهدف، كما يشرح المؤلف، هو جعل الأطفال «الهنود» يتحولون إلى المسيحية..

وبالتالي الوصول إلى تمثّلهم في الإطار المجتمعي القائم، بقصد إبعادهم عن ثقافاتهم وطقوسهم الأصلية.

ويروي المؤلف أن أبيه تعرّض في تلك المدرسة الداخلية لمختلف أشكال الضغط النفسي والعنف الجسدي. الأمر الذي كان يعني في جوهره العمل على إنهاء الانتماء «الهندي» لديه و«احتوائه». ويؤكّد خاصّة على «التخريب النفسي» الذي أحدثته المعاملة السيئة التي لقيها أبيه في تلك المدرسة بحيث إنه أصبح «كحولياً وغضوباً وغريب الأطوار».

وتذكير المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب أن ما عرفه أبوه في سنوات طفولته وشبابه يبيّن العمق التاريخي لمشكلة التعامل الذي جوبه به أبناء البلاد الأصليون في كندا. لكنه يفتخر من جانب آخر كيف أن ذلك الأب عمل بكل طاقاته لاحقاً من أجل المحافظة على ثقافات «الأمم الأولى» وعلى تقاليدها. وهذا هو أيضا الدور الذي يريد الابن ــ المؤلف أن يلعبه اليوم، كما يشير بأشكال مختلفة.

ومن المسائل التي يوليها المؤلف اهتمامه في هذا العمل محاولة تقديم الكثير من المعلومات عن «العلاقات الإنسانية» التي تؤكّد عليها تعليمات «الأمم الأولى» الكندية. هذا وتوصيف الكثير من طقوسهم مثل الرقص الجماعي، حيث يتم «التوحّد مع الطبيعة» و«بين البشر» وبين «الماضي والحاضر».

أحد المحاور الأساسية في هذا الكتاب يكمن في محاولة تقديم السياق التاريخي الذي عرفه «الهنود» في كندا وما عرفوه من تمزّقات وتهميش على مدة قرون عديدة. لكن ذلك لم يمنعهم من الوصول في السياق الحالي إلى العمل على «المصالحة والغفران» بين جميع الذين يعيشون على الأرض الكندية.

ويرى المؤلف أن من واجبه أن يعرّف الكنديين، على ضوء ما ورد في تقرير «الحقيقة والمصالحة»، على حقائق تاريخ السكان الأصليين للبلاد. ومما يؤكّد عليه أنه لا ينبغي استبعاد أبناء البلاد الأصليين من النقاش الجاري في كندا حول مختلف المسائل المتعلّقة بـ«الحقيقة والمصالحة».

ومما يشرحه المؤلف أن «المصالحة» لا تعني مجرّد «أن يصافح رئيس الوزراء أحد الزعماء الوطنيين ليقال إن تلك المصالحة قد تحققت على صعيد كبير، بل هي تمّت بالأحرى على صعيد فردي أكثر مما هو وطني. المصالحة تتحقق عندما يلتقي شخصان ويفهمان أن ما يشتركان فيه يوحّد بينهما وأن ما يختلفان فيه ينبغي احترامه من الطرفين».

ونشيد في الوفاء والعرفان من ابن لأبيه الذي عرف كيف «يصفح» عن أولئك الذين كانوا سبب الكثير من الصعوبات التي عاشها. بل أولئك الذين «شاركوا أهله» في البكاء عليه عندما رحل. وكتاب يجعل شعوب أميركا القدماء أكثر إنسانية من الصورة التي قدمتهم وسائل الإعلام الغربية بشتى أشكالها.

ونتبين في العمق، أن هذا الكتاب متعدد السمات فهو من جهة يحتوي على الكثير من السيرة الذاتية للمؤلف نفسه. ولكن أيضا وخاصّة من سيرة حياة أبيه الذي أراد أن يزرع لديه مجموعة من القيم الإنسانية. ذلك الأب الذي عانى مثل غيره من أبناء شعوب السكان الأصليين في كندا من مختلف أشكال الاضطهاد من قبل مراكز السلطة «البيضاء».