من السمات الأساسية للعصر الذي نعيش فيه هو أن البشر «مشغولون» باستمرار، فهناك «قائمة» من المهمات التي عليهم إنجازها من الصباح حتى المساء. والأمل الذي كان قد دغدغ مخيلة الكثيرين أن النمو الكبير في التكنولوجيات الحديثة التي حلّت محل الإنسان في العديد من الأعمال المنزلية سوف يوفر الوقت بفضل العمل زمناً أقل ليعيش البشر أوقات فراغهم بممارسة ما يستهويهم بكل حريّة. لكن «حسابات البيدر لم تنسجم مع حسابات الحقل»، كما يقال.

وهذا ما يتم شرحه تحت عنوان «مرهَقون: العمل والحب واللعب حيث لا وقت لذلك» في الكتاب الذي تقدّمه «بريجيت شولت»، الصحفية منذ سنوات طويلة في «الواشنطن بوست». وهي تناقش في هذا الكتاب ما تعتبره المسألة المعقّدة و«الحافلة بالمفارقات» المرتبطة بالعلاقة بين «الحياة والعمل والواقع الاقتصادي» في السياق الراهن من حياة البشر في المجتمعات الاستهلاكية المتقدّمة، وما يعني في القاموس السائد، البلدان الغربية.

ما تؤكّد عليه المؤلفة على مدى صفحات هذا الكتاب التي يتجاوز عددها الـ 350 صفحة هو أن البشر اليوم «ممزقون ومبعثرون ومنهكون»، وتجد نفسها أحد الأمثلة على ذلك، مثل الآخرين. وما يمكن أن تعبّر عنه الجملة التالية «أنا دائماً بصدد أن أفعل أكثر من مهمّة بالوقت نفسه ويتولاّني الإحساس أنني لا أنجز أيّة مهمة بصورة جيّدة كما ينبغي. أنا دائماً متأخرة في إنجاز شيء ما قبل أن اتجه صوب باب المنزل للخروج».

هذه الجملة تجدها المؤلفة صالحة لتوصيف حالات الكثير من البشر خاصّة العاملين الذين عليهم أن يكونوا على رأس عملهم بأوقات محددة. وتغدو أكثر دقّة في التوصيف عندما يكونون في عداد أهالي الأطفال الذين يترددون على المدارس. هنا أيضاً تشير المؤلفة أنها أم لطفلين من فئة تلامذة المدارس.

وتشير أن أقلّ ما يمكن أن تصف فيه «استخدامها للزمن» في حياتها اليومية هو أنه «غير منتظم». والدليل هو أنها تتناول في أكثر الأيام وجبة الغداء في مكتبها وهي إمّا تمسك بإحدى يديها الهاتف الذي تتحدّث فيه مع الصيدلية التي تؤمّن لابنها الدواء المضاد للحساسية أو تتصفّح الأخبار على شبكة الانترنت أو تنجز بعض المعاملات الإدارية من بعيد أو...أو. وتصل المؤلفة إلى تأكيد أنها استعانت بصديق أخصائي بتنظيم استخدام الوقت انتهى بالتصريح لها أنه من العسير تنظيم استخدام وقتها بسبب ما يبديه من «تعقيد».

بكل الحالات وفيما هو أبعد مما هو شخصي تجمع المؤلفة المعنيين جميعاً في خانة واحدة تطلق عليهم في إطارها توصيف «مرهَقون»، الذي اختارته عنواناً لكتابها. وتشرح أن المسؤولية الأساسية في ذلك تعود واقعياً على شروط العمل في المجتمعات الاستهلاكية والتي تنضوي أيضاً تحت توصيف «الرأسمالية» بصورة عامّة في القاموس الشائع.

لكن ما يشترك فيه الجميع اليوم هو «محاولة فهم لماذا يتعاظم ضغط الوقت. وهذا هو الموضوع الأساسي للبحث حول مفهوم الزمن اليوم»، كما تنقل عن عالم اجتماع يعمل في جامعة أكسفورد كانت قد التقت به بالعاصمة الفرنسية باريس أثناء المؤتمر السنوي لـ«الجمعية العالمية للبحث في آليات استخدام الزمن».

ومن خلال العديد من الملاحظات والتحليلات والممارسات المختلفة من أجل التخفيف من «ضغط الوقت» تصل المؤلفة إلى التأكيد أن «الإرهاق» الذي يطبع حياة البشر اليوم بطابعه يبدو وكأنه نوع من التعبير عن «واقع غريب عن طموحات الكائن الإنساني»، و «مفروض عليه»..

وما تؤكّد عليه هو أن المجتمعات الصناعية المتقدّمة، خاصّة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، حققت «درجة عالية من الوفرة المادية». لكن بالمقابل خلقت حالة من «التوتر النفسي الجماعي» المرتبط تحديداً بقلّة توفّر الوقت الحر الذي لم يتحقق وحيث يسود الإحساس بنوع من «الاختناق» على صعيد الحياة اليومية للبشر. وتشرح بأشكال مختلفة أن مثل هذه الحالة تمثّل إحدى السمات المشتركة في المجتمعات الاستهلاكية اليوم.

في المحصّلة النهائية تصل المؤلفة إلى التأكيد أن «البشر الأكثر بساطة» هم الذين يملكون القدر الأكبر من «الأوقات الحرّة». ذلك على عكس الذين يدفعهم البحث عن الكسب أكثر إلى «الإحساس أنهم تحت ضغط الوقت أكثر»، وبالتالي يغدو «الوقت الحرّ» لديهم نادراً أكثر فأكثر.

ومن خلال العديد من الملاحظات والتحليلات والممارسات المختلفة من أجل التخفيف من «ضغط الوقت»، تصل المؤلفة إلى التأكيد أن «الإرهاق» الذي يطبع حياة البشر اليوم بطابعه يبدو وكأنه نوع من التعبير عن «واقع غريب عن طموحات الكائن الإنساني» و«مفروض عليه» من خلال المنظومات الاقتصادية وما ترتب عليها بالنسبة للمجتمعات المعنيّة بها.

التنافس والانشغال المفرط

تشرح مؤلفة الكتاب، على مدى العديد من الصفحات، كيف أن مفاهيم «الأهمّية الاجتماعية» ارتبطت في العصر الحديث بمدى «درجة الانشغال» التي يبديها الإنسان. ذلك بـ «غضّ النظر» عن مدى مصداقية ذلك أو عدم مصداقيته. وعلى أساس أن «زيادة الأعمال تتناسب مع زيادة التفاخر الاجتماعي». من هنا تأتي المنافسة على الظهور، أو التظاهر، بهيئة المعاناة من «الإرهاق» من «ضغط العمل».

المؤلفة في سطور

بريجيت شولت، صحافية في «واشنطن بوست» منذ سنوات طويلة. تولي اهتمامها للمسائل المتعلّقة في مجال العمل وتأثيراته على حياة البشر. نالت مع فريق عمل جائزة «بوليتزر» الصحفية الأكثر شهرة في الولايات المتحدة.