تثار على الساحة البريطانية الكثير من النقاشات اليوم حول مستقبل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. وهذه النقاشات تجد صداها في أن البريطانيين سوف يقررون في شهر يونيو المقبل، عبر استفتاء شعبي عام، ما إذا كانت بلادهم ستخرج من الاتحاد الأوروبي وتبتعد عن مسيرة توحيد القارّة أو أنها ستبقى داخل أوروبا الموحّدة، وبالتالي سيكون التزامها أكبر وأعمق.

وعن مستقبل بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي وفيما هو أبعد من ذلك حول الحياة السياسية البريطانية ودور النخب السياسية، والاقتصادية أيضا، الموجودة في مراكز القرار في العالم الغربي منذ عقود يكرّس «طارق علي»، المؤرّخ والروائي والسينمائي البريطاني ذو الأصل الباكستاني، كتابه الأخير. يحمل الكتاب عنوان «الوسط المتطرّف. بمثابة إنذار».

وتعبير «الوسط المتطرّف» يستخدمه طارق علي بمعنى المنعطف الكبير الذي قامت به الغالبية العظمى من الأحزاب والقوى السياسية في العالم الغربي عموما بعد انهيار جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989.

يشرح أنه شرعت بذلك المنعطف أوّلا الأحزاب الموصوفة بأنها الأكثر محافظة ثم تبعها في ذلك خصومها من الذين ينضوون تحت خانة «القوى الأكثر تقدميّة» حيث تبنّت بوضوح نهجاً مماثلاً عبر «الانحراف نحو اليمين». يكتب طارق علي بهذا الخصوص: «عندما انهار جدار برلين عام 1989 انهارت معه القوى الاجتماعية ــ الديمقراطية الأوروبية أيضا».

والتأكيد بأشكال مختلفة في هذا الكتاب على أن هذا «الوسط» جعل إحدى أولوياته الرئيسية هي أن «يستولي على المسرح السياسي بحيث لا تعود هناك أيّة إمكانية لبديل آخر». وبدا أن مشروع الاستئثار بالسلطة صبّ واقعيا في منحى ما تريده مجموعات المصالح الخاصّة ورؤوس الأموال العالمية والتابعين لهذه وتلك في الأنظمة السياسية الموصوفة بـ «الديمقراطيات اللبرالية»، كما يشرح المؤلف.

ويحدد طارق علي القول إن هذا «الوسط» دخل عمليا منذ عام 1989، أي منذ انهيار جدار برلين، في عملية سباق محموم من أجل «إثبات من يمتلك أكبر وأفضل الكفاءات وأكثرها فاعلية الهادفة إلى تلبية مستلزمات اقتصاد السوق». والإشارة أن العديد من الحركات السياسية التي تعتمد في نهجها على «استغلال المشاعر الشعبية» برزت في مثل ذلك السياق «التنافسي» في بريطانيا، كما في الولايات المتحدة وأوروبا واستراليا.

ومن النتائج الأساسية التي يؤكّد المؤلف عليها أن الديمقراطية بالمعنى التقليدي الذي ارتبطت به تشهد في هذه الفترة من الزمن مرحلة «غسقها»، وربما قبل «الانطفاء الكامل». وما يعادل في القاموس الذي يستخدمه المؤلف «الانتحار السياسي». ذلك على أساس أن التطرّف بكل أشكاله ومكوناته المحليّة أو الخارجية يشكّل تهديدا لقيم الديمقراطية والحريّة.

أمّا الأعراض الجوهرية لمثل هذا الوضع «المنذر بالخطر» فيجدها المؤلف في «فشل الاتحاد الأوروبي» و«انحسار دور حلف شمال الأطلسي» و«حالات الفساد التي تبرز هنا وهناك». هذا كلّه بالتوازي مع تعزيز الموقع القيادي لـ«الإمبراطورية الأميركية» في العالم الغربي، كما على المسرح العالمي. وبالتوازي تعاظم دور «الشركات العالمية متعددة الجنسيات» التي تفرض الكثير من مطالبها للعمل في هذا البلد أو ذاك، ودون «دفع الضرائب» المترتبة على ذلك في الكثير من الأحيان.

ويشرح المؤلف في مثل هذا السياق المسار التطوري الذي سلكته السياسة البريطانية منذ حكومة مرغريت تاتشر، «السيدة الحديدية، حسب توصيفها الشائع». وتأكيده أن حزب العمال البريطاني «استمرّ في تطبيق البرامج التي كانت السيدة تاتشر قد أعدّتها» لبريطانيا. ذلك مثلما استمرّ «الديمقراطيون الأميركيون بتنفيذ برامج الرئيس الأسبق رينالد ريغان».

إن المؤلف يكرّس العديد من صفحات هذا الكتاب لشرح «لا جدوى» العمليات الانتخابية ببريطانيا وأغلبية الدول الغربية الأخرى. بل والتأكيد على «عدم فائدة خوض النقاشات» حول ذلك. والإشارة أن النقاش الحقيقي الذي يمكن أن يثير الاهتمام لدى البريطانيين، وغيرهم من الأوروبيين، هو ذو «طابع اقتصادي أوّلا، ويتعلّق ثانوياً بمسألة الهوية».

وفيما يتعلّق بالاتحاد الأوروبي يشرح المؤلف أنه يكفي مجرّد النظر إلى المأساة اليونانية وما تمّ فرضه على اليونان من إجراءات التقشف.

وقبلها على أيرلندا والبرتغال، لتكوين رأي عن «واقع غياب الممارسات الديمقراطية» في إطار الصيغة الحالية لمسيرة التوحيد الأوروبي. ولا يتردد طارق علي في التأكيد أن «الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى صدمة كي يتغيّر».. ولا ينسى أن يشير بأشكال مختلفة أن بريطانيا ترى نفسها «أطلسية أكثر مما هي أوروبية».

إنذار ومنعطفات

تتركز تحليلات هذا الكتاب على عدد من المحاور الأساسية. ذلك على خلفية التأكيد أن جميع العمليات الانتخابية التي شهدتها بريطانيا، وإلى حد كبير بقيّة بلدان العالم الغربي التي تنضوي في إطار ما يُسمّى عامّة «الديمقراطيات الغربية»، أدّت إلى انتصار ما يصفه المؤلف بـ«الوسط المتطرّف»، حسبما جاء في العنوان الرئيس لهذا الكتاب.

المؤلف في سطور

طارق علي، مؤرّخ وروائي وسينمائي بريطاني من أصل باكستاني. وهو عضو هيئة تحرير مجلّة «نيوليفت ريفيو» البريطانية. يسهم بالكتابة بانتظام في الغارديان اللندنية وفي مجلة لندن لعروض الكتب. من كتبه التي قارب عددها الخمسين«هل تستطيع باكستان الاستمرار؟» و«محادثات مع ادوار سعيد» و«حول التاريخ»...الخ.