لا شكّ أن المسائل المتعلّقة بالتغير المناخي وسخونة الأرض، وكل ما يترتب على ذلك من نتائج اقتصادية وإنسانية بالنسبة لمستقبل الأرض والبشر الذين يعيشون عليها هي من بين أكثر المسائل إثارة لاهتمام الباحثين والدارسين والمتخصصين وأصحاب القرار على مختلف مستوياتهم. بل ليس من المبالغة القول إن المشاكل المناخية المطروحة لا سابق لها على مدى التاريخ الإنساني كلّه.

وبالنظر إلى مثل هذه الأهمية، إضافة إلى غياب المعطيات الأساسية الحاسمة بالنسبة لكل ما يتعلّق بالتغيّر المناخي ومدى حقيقته وعمقه وتعقيده واختلاط السياسات العالمية حياله وصعوبة ولوج سراديب البحث فيه وغير ذلك من صفات تعطي لمسائله خصوصيتها وتفرّدها، صدرت سلسلة طويلة من الكتب التي جعلته موضوعاً لها من مختلف الزوايا.

ومن بين الأعمال المتميّزة من حيث ما يحتوي عليه من معلومات الكتاب الذي قدّمه الهولندي «ريتشارد س. ج. تول»، الأستاذ في جامعة سوسيكس البريطانية وأستاذ اقتصاد التغيّر المناخي في جامعة «فريج» بمدينة أمستردام. عنوان الكتاب هو «اقتصاد المناخ» ويبحث المؤلف فيه المسائل المتعلّقة بـ«التحليل الاقتصادي للمناخ والتغيّر المناخي والسياسة المناخية»، كما جاء في عنوانه الفرعي.

المسألة الأساسية التي يؤكّدها مؤلف هذا الكتاب مفادها أنه في الفترة المباشرة اللاحقة على المدى القصير، التي تمتد على الأقل على مدى هذا القرن الحادي والعشرين، ستبقى نتائج التغيّر المناخي من الظواهر غير المطروحة «بقوّة» في الواجهة.

بل ويشرح أنه يمكن للتغير المناخي، على هذا المدى القصير المقصود، أن «يكون مفيداً» بالنسبة لبعض الزراعات بسبب «التخصيب الذي يجلبه لها ثاني أكسيد الكربون»، بينما ستتأذّى كثيراً مجموعة من الزراعات الأخرى بفعل «تعاظم ظاهرة الجفاف».

بهذا المعنى يؤكّد المؤلف على «التنوّع والتباين الكبيرين الناجمين عن التغيّر المناخي». ويتم في هذا السياق تحديد «أنماط تأثير التغيّر المناخي» على البيئة والأرض والمنتجات بناء على مختلف الأدبيات المعروفة حتى اليوم حول هذا الموضوع. وكذلك تحديد مدى عمق هذا التأثير تبعاً لنسبة زيادة سخونة الأرض في «حقبة ما بعد الصناعة».

والإشارة أن التقديرات تتباين في هذا الشأن لتصل الأعلى منها إلى القول بزيادة سخونة الأرض بمعدّل 2،5 درجة بالقياس إلى معدّل سخونتها قبل الحقبة الصناعية. وتحديد المؤلف أن الدراسات المعدّة حتى اليوم تبين عموماً أن ارتفاع درجة سخونة الأرض بمعدّل 2،5 درجة ستتم ترجمته بـ«فقدان كل فرد لنسبة 1،3 بالمئة من دخله».

والإشارة أن هذه نسبة ضئيلة جداً بالمقارنة مع واقع أن اليونانيين فقدوا حوالي ثلث ثرواتهم في فترة خمس سنوات فقط. والإشارة أيضاً في هذا السياق أن مختلف التقديرات المقدّمة حتى اليوم في سلسلة من الدراسات المختصّة تشير إلى أن «آثار التغير المناخي لن تتغير جوهرياً حتى سقف زيادة سخونة الأرض بـ3،5 درجة». كذلك إشارة أخرى مفادها أن «المفاجآت السيئة السلبية تبقى أكثر احتمالاً من المفاجآت الإيجابية... من نفس العيار».

وهذا يعني تحديداً أن النتائج الاقتصادية لسخونة الأرض ستبقى محدودة جدا. خاصّة بالنسبة للبلدان الغنية، بينما سيكون التأثر بها أكبر وأعمق بالنسبة للبلدان النامية، وخاصّة الأكثر فقراً منها، وحيث سيكون «الفقر تحديدا» هو مصدر هشاشتها الكبرى.

ويحدد المؤلف ثلاثة أسباب رئيسة لتأثر البلدان الفقيرة بالتغير المناخي أكثر من الغنيّة هي أنها «تقع الغالبية منها في مناطق أكثر حرارّة» و«البلدان الفقيرة تعتمد في دخلها كثيرا على الزراعة التي تتأثر كثيرا بالمناخ بينما تتصف الدول الغنيّة ببعدها الصناعي». والسبب الثالث أن «البلدان الفقيرة هي أقل تنظيما ولا تمتلك إمكانات اتخاذ الإجراءات الصحية والبنى الأساسية وغيرها على نطاق واسع لمواجهة تحديات التغيّر المناخي».

بالمقابل لا يبدو أن البلدان الغنيّة مستعدة لتقديم المساعدات التي ستحتاج لها من أجل القدرة على مواجهة آثار التغيّر المناخي، أو على الأقل «التأقلم معها».

بل على العكس تميل الدول المتقدمة الغنيّة إلى أن تفرض على البلدان النامية، والفقيرة منها خاصّة، «سياسات مناخية» من أجل الحدّ من استخدام مصادر الطاقة التقليدية للحدّ من إصدار غاز ثاني أكسيد الكربون. سياسات يكون منها في واقع الأمر أن «تكبح» إمكانات تنميتها، الحاسمة بالنسبة لمستقبلها.

ويطرح المؤلف «اقتصاد المناخ» على أساس أنه «فرع تطبيقي من علم الاقتصاد». هذا مع خصوصية أنه قد لا يمكن تطبيق مفاهيمه من أجل إيجاد «حلول» للمشاكل التي قد يطرحها في الحياة العملية نظراً للأبعاد الهائلة التي قد تترتب على التغيّر المناخي ونتائجه.

تجدر الإشارة في هذا السياق أن الكثير من صفحات هذا الكتاب مكرّسة لمحاولة «تصوّر» تلك الأبعاد الهائلة، وكذلك «تصوّر» الحلول التي قد يمكن اللجوء لها عندما يقتضي الأمر ذلك.

أمّا بالنسبة لما يتعلّق بـ«السياسة المناخية» فإن مؤلف الكتاب يعتبرها جزءا لا يمكن فصله عن السياسات العامّة التي تنتهجها البلدان المعنيّة. بكل الحالات يتم التأكيد على ضرورة أن تشتمل كل «سياسة مناخية» على ثلاثة مرتكزات أساسية، تتم صياغتها على شاكلة أسئلة: الأول منها يتمثل في: «وماذا لو حدث التغيّر المناخي؟». والثاني «ماذا يمكن أن تكون العواقب؟»، والثالث: «ماذا يمكن فعله؟».

ما يتم تأكيده في جميع الأحوال أنه ليس ممكناً تحديد الأفضل والأجدى مسبقا. لكن ذلك لا يمنع من تحديد القول إن «السياسات المناخية» في أوروبا كان منها أن ساهمت في جعل أغلبية الأوروبيين «فقراء» بينما غدا البعض «أكثر ثراءً». وجاء في إحدى الجمل الأخيرة من الكتاب ما مفاده: «إن السياسة المناخية الحالية تخدم مصالح أولئك الذين يبحثون عن زيادة دخلهم».

وإحدى الميزات الأساسية لهذا الكتاب، هو أنه بمثابة كتاب ــ دليل يقدّم للقارئ المختص، دراسيا أو بحثيا، وللقارئ بصورة عامّة، مجموعة من الأدوات «الاقتصادية» المتعلّقة بالمشرب العلمي الذي يجد توصيفه في عنوان الكتاب، أي «اقتصاد المناخ». وكذلك المساهمة في فهم الرهانات المتعلقة بالسياسات المتبّعة لمواجهة التحديات التي قد تترتب على التغيّر المناخي.