تمثّل الولايات المتحدة الأميركية أمّة فتيّة. وقد احتلّت من قيامها حتى اليوم مكانة مرموقة وأحيانا ريادية في العالم. ولكن هذا لا يمنع واقع أنها عرفت في تاريخها فترات من الازدهار الكبير وفترات أخرى من التقهقر والتراجع. بل عاشت سنوات من حرب أهلية طاحنة بين الشمال والجنوب في السنوات الأولى من عقد الثمانينات في القرن التاسع عشر.
هذا المسار المتعرّج من فترات النمو والازدهار وأخرى من فترات التراجع والانحدار هو بالتحديد موضوع الكتاب الأخير للاقتصادي الأميركي روبرت غوردون، الأستاذ في جامعة «نورتويستيرن»، الذي يحمل عنوان «صعود النمو الأميركي وانحداره». ويدرس هذا الباحث الاقتصادي الكبير على مدى صفحاته التي تتجاوز 750 صفحة تاريخ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1870 حتى اليوم.
وفي سياق هذا البحث في تاريخ النمو الاقتصادي يتعرّض المؤلف لدراسة مختلف العوامل التي لها فعلها في النمو الاقتصادي. وليس أقّل هذه العوامل تأثيرا «الانتاج العامّ» و«اليد العاملة» و«رؤوس الأموال» و«التقدّم التكنولوجي» و«نمط المنظومات الاقتصادية»... ويركّز المؤلف في دراسته على تأثير النمو على الحياة اليومية للأميركيين وساعات العمل اليومي وتطوّر الخدمات المنزلية وكل ما يتعلّق بمستوى معيشتهم ونوعيتها.
هكذا مثلا يشير أنه حتى عام 1870 «كان المطبخ هو في غالب الأحيان الحجرة الوحيدة المدفّاة في المنزل بينما كان يتم جلب الماء البارد من الخارج ليصار إلى تسخينه بالمطبخ». وفي العشرينيات من القرن التاسع عشر كانت الشموع هي وسيلة الإضاءة الوحيدة بينما كانت العقاقير الشعبية هي وسيلة علاج مختلف الأمراض، حتى المستعصية منها.
ويشرح المؤلف في هذا السياق أن «الثورة الاقتصادية» الأميركية التي عرفتها الولايات المتحدة في سنوات 1870 ــ 1970 هي «ثورة فريدة». هذا بمعنى أن الكثير من إنجازاتها «لا يمكن تحقيقها سوى مرّة واحدة في التاريخ». وليس أقل تلك الاختراعات تأثيرا في حياة البشر الكهرباء والمحرّك الانفجاري ووسائل التواصل وما ترتب على ذلك من ثمرات تكنولوجية للثورة الصناعية الكبرى.
وما يتم التأكيد عليه بأشكال مختلفة وبالاعتماد على المعطيات الإحصائية هو أنه في حقبة تمتد إلى حقب طويلة ما قبل سنوات السبعينات في القرن التاسع عشر لم يكن هناك أي نمو اقتصادي حقيقي في أميركا. ثم حلّ الازدهار والنمو مع الثورة الصناعية. وبفضل ثمراتها واختراع المصعد الكهربائي مثلا «أمكن التوسّع عموديا وليس أفقيا فقط».
ومع اختراع المحرّك الذي يعمل على مصادر الطاقة الجوفية «جرى تحرير مساحات زراعية شاسعة» لاستخدامها في مختلف الزراعات الغذائية وغيرها بدلا من تكريسها لعلف الخيول. وأمثلة كثيرة أخرى يسوقها المؤلف في مجالات النقل الجوي وتخزين الأغذية وحفظها والتقدّم الطبي وانعكاساته على زيادة متوسّط العمر...
وفي مثل هذا السياق لا يتردد روبرت غوردون في التأكيد أن الثورة الصناعية الكبرى التي عرفت أوج ازدهارها وإنجازاتها في القرن التاسع عشر، وما رافق ذلك من نمو مشهود في النمو الاقتصادي العام، هي «أكبر تاثيرا على حياة البشر من الثورة الرقمية التي يعيش العالم اليوم عصرها». ويشير المؤلف بإسهاب إلى ما حققته من تحولات في مختلف مجالات الحياة. لكنه يؤكّد بالوقت نفسه على أن الثورة الرقمية هي «وحيدة الجانب».
ويترتب على هذه المقولة تأكيده أن تأثيرها على النمو الاقتصادي الأميركي، موضوع بحثه، سوف يبقى «متواضعا جدا»، اليوم كما في منظور المستقبل، بالقياس إلى الازدهار الحقيقي الكبير الذي حققته الثورة الصناعية الكبرى. الأمثلة الإحصائية التي يقدّمها المؤلف ــ استاذ الاقتصاد كثيرة.
هكذا يشير مثلا أن النمو الاقتصادي الأميركي السنوي خلال سنوات 1970 ــ 2014 بلغ نسبة 1،62 بالمائة مقابل 2،82 بالمائة خلال سنوات 1920 ــ 1970. وعلى دلالة مثل هذه النسبة يميّز المؤلف بين فترتين للنمو الاقتصادي الأميركي تمتد الأولى «ذات النمو الاقتصادي الهام» ما بين عام 1870 و1970 والفترة الثانية «ذات النمو الأكثر تباطؤا» اعتبارا من عام 1970 حتى اليوم.
بل ويصل غوردون إلى نوع من «نفي الطبيعة الثورية للعصر الرقمي السائد اليوم». ويحاول أن يشرح «خطأ المقولة السائدة» والتي أصبحت نوعا من «المسلّمات» حيث يتمّ التأكيد على أن «وادي السيليكون»، عرين العالم الرقمي، «سيغيّر جذريا من نمط حياة البشر». ولكن هذا التغيير الرقمي «وحيد الجانب» ولن يعادل، برأي المؤلف، واقع أن الثورة الصناعية الكبرى غيّرت نمط الحياة في مختلف جوانب حياة البشر.
