يُطلق توصيف منطقة جنوب آسيا عموماً على البلدان الواقعة في جنوب القارة الآسيوية، والتي تضم في أكثر التحديدات شيوعاً مجموعة من البلدان على رأسها الهند وباكستان وبنغلاديش وأفغانستان ونيبال وسريلانكا.
وهذه المنطقة هي من أكثر مناطق العالم كثافة في السكان، خاصّة في بعض الأجزاء منها، مثل حوض نهر الغانج في الهند. ذلك مقابل وجود مساحات كبيرة من الجبال الوعرة والصحارى المقفرة تقريباً.
ويقطن جنوب آسيا اليوم حوالي ربع سكان العالم وثلث مجموع المسلمين. هذا فضلاً عن الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية التي تكتسيها القارّة الآسيوية عموماً في هذا القرن الحادي والعشرين الذي يطلق عليه بعض المحللين والاقتصاديين توصيف «القرن الآسيوي» بامتياز.
هذه المنطقة المجهولة إلى حد كبير هي موضوع الكتاب الجديد الصادر في مطلع هذا العام عن جامعة يال لايان تالبوت، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة يحمل الكتاب عنوان «تاريخ جنوب آسيا الحديثة». ويدرس فيه المؤلف تاريخ هذه المنطقة من العالم من خلال «السياسات والدول والشتات»، كما جاء في العنوان الفرعي.
إن المؤلف ــ المؤرّخ يكرّس جهده في هذا الكتاب لدراسة المنعطفات الكبرى التي عرفها تاريخ جنوب آسيا، ومحاولة توضيح المسارات واللحظات المفصلية التي مرّت بها المنطقة. ومن المسائل الأساسية التي تحظى باهتمام خاص من قبله تلــك المتعلّقة بـردود الأفعال المحليّة في مواجهة نزعة التوسع الغربي وآلية تشكّل الدول ــ الأمم في جنوب آسيا.
في الصفحات الأولى من هذا العمل يرسم ايان تالبوت ملامح جنوب آسيا في الحالة التي هي عليه الآن والتي تبدو متناقضة إلى حد كبير للحالة التي كان العالم يعرفها فيها قبل عقود قليلة فقط. هكذا يشير أن مدينة «بومباي» ستكون، حسب المعطيات المتوفرة اليوم، ثاني مدن العالم من حيث عدد السكان في نهاية هذا العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. بالتوازي مع ذلك تشهد مدينتا دلهي، عاصمة الهند، وداكا، عاصمة بنغلاديش، نموا كبيرا.
من بين السمات الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف سمة «التنوّع» الكبير بالنسبة لمختلف مكونات مجتمعات بلدان جنوب آسيا. وهو تنوّع من طبيعتين: اتنية وعقائدية. هذا بالتوازي مع التنوّع اللغوي..
حيث تمّ إحصاء مئات اللغات التي يتحدث بها السكان المعنيون في مجموعات ضيّقة في كثير من الأحيان، بينما تشكّل اللغة «الهندية» و«لغة الأوردو» اللغتين الأكثر انتشاراً. وفي المحصّلة يؤكّد المؤلف على ثلاثة عناصر أساسية تشكّل مكونات الهوية في بلدان جنوب شرق آسيا عموما. هذه العوامل تتمثّل في الانتماء الإتني والمعتقد الديني واللغة.
ومما يؤكّد عليه المؤلف بالنسبة لمنطقة جنوب آسيا عموما وجود ظاهرتين «تتعايشان» في السياق الراهن. فمن جهة هناك «نمو اقتصادي سريع» كان منه أن نقل مئات الملايين من مستوى معيشة دون عتبة الفقر إلى مستوى فوقها، ومن جهة أخرى هناك «الفقر الذي تعاني منه أغلبية الطبقات الشعبية».
ويقدّم المؤلف في هذا الإطار مجموعة من الأرقام والإحصائيات ذات الدلالة. هكذا يشير أن ما يزيد على 600 مليون نسمة في منطقة جنوب آسيا الحديثة يعيشون بما يعادل أقل من 1،25 دولار أميركي في اليوم. هذا وهناك أكثر من 300 مليون يعانون من الجوع ونقص التغذية في جنوب آسيا.
لكن بالمقابل حققت الهند قفزة كبيرة على الصعيد الاقتصادي جعلها تحتل مرتبة متقدّمة على صعيد إجمالي الإنتاج الداخلي على الصعيد العالمي. وبرزت طبقة وسطى أكثر فأكثر ثراءً بالقياس إلى الماضي غير البعيد و«أكثر اهتماما بالمنتجات الاستهلاكية». بهذا المعنى يكتب المؤلف أن «عصر التقشّف والزهد الذي كان باديا حتى سنوات السبعينات المنصرمة أخلى المكان للمراكز التجارية الكبرى».
وإلى جانب تأكيد المؤلف بأشكال مختلفة على الصعود القوي الذي عرفته بلدان من بينها الهند على صعيدي التصنيع والخدمات والتوسّع العمراني بوتيرات مختلفة بين البلدان المعنيّة، فإنه يشير إلى أن نصف سكان بلدان جنوب آسيا لا يزالون يعيشون في المناطق الريفية.
وبالتالي يعتمدون في تأمين سبل حياتهم على الزراعة التي قد تواجه تحديات كبرى في منظور العقود القادمة، خاصّة بمواجهة احتمالات التغيّر المناخي. والتأكيد في مجمل التحليلات المقدّمة على واقع أن «الأرياف متأخرة بالقياس إلى المدن» في جنوب آسيا أكثر من أيّة منطقة أخرى في العالم..
ومن السمات الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف أن الإرث الاستعماري والتقسيمات التي تلت استقلال الهند عام 1947 وانفصال باكستان عنها نجمت عنه حالة من النزاعات المستمرّة.
هكذا قامت بين الهند وباكستان انطلاقا من النزاع على منطقة كشمير الحـــدودية ثلاثة حروب منذ الاستقلال حتى اليوم. والإشارة أن القوتين الآسيويتين المتنازعتين، الهند وباكستان، عملتا على امتلاك السلاح النووي الذي يشكّل أحد التهديدات «الضمنية».
إن منطقة جنوب آسيا تعرّضت، كما يشرح المؤلف، في مسارها التاريخي إلى الكثير من أشكال التدخّل الخارجي الذي تمثّلت نسخته الأخيرة بالاستعمار البريطاني. ويشرح أن ذلك التدخّل شكّل فيما بعد أحد مصادر النزاعات الداخلية. لكن المؤلف يؤكّد أيضا أن أبناء المنطقة من المتطلعين للأسفار إلى الخارج بقصد «التجارة» في الكثير من الأحيان.
الآسيويون الجنوبيون أصبحوا يشكلون في السياق الراهن من العولمة ما يطلق عليه المؤلف توصيف «الشتات الآسيوي الجنوبي». والإشارة أن تزايد أعدادهم وإمكانياتهم تمّت ترجمتها بزيادة تحويلاتهم إلى بلدانهم الأصلية.. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن «عدد الآسيويين في الشتات وثرواتهم قد تضاعفت عدّة مرّات خلال العقود الأخيرة».
ونتبين، بوجه عام، أنه ونظرا للعدد الكبير للدول التي تنضوي في إطار توصيف «جنوب آسيا» تبعا للتعريفات المختلفة، وللمساحة الجغرافية الشاسعة للمنطقة المعنية، يتجنّب المؤلف الخوض بالتاريخ الخاص لكل دولة والتركيز على تاريخ المنطقة المعنية بصورة عامة منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى نهاية حقبة الحرب الباردة مع التوقف طويلاً عند فترة نهاية الحقبة الاستعمارية «الحاسمة بالنسبة لتاريخ المنطقة اللاحق، ووصولاً إلى الحقبة الراهنة.

