لفرنسا علاقات تاريخية خاصّة مع القارّة الإفريقية. وهي تعود في الأساس إلى الحقبة الاستعمارية وقبلها تاريخيا إلى فترة ما عُرف بتجارة العبيد في الدورة المثلثة التي كانت تنطلق فيها السفن من أوروبا باتجاه الشواطئ الإفريقية لتنطلق منها نحو العالم الجديد،القارّة الأميركية.
ومن المعروف أن مختلف الحكومات الفرنسية منذ نهاية الاستعمار حافظت على علاقات مميزة معه البلدان الإفريقية التي كانت من مستعمراتها السابقة، خاصّة في غرب ووسط القارّة السوداء.
والكاتب والصحفي الفرنسي انطوان غلازير، المختص بالعالم الإفريقي ومؤسس مجلة نصف شهرية في فرنسا مختصّة بأفريقيا فضلا عن أنه مؤلف عدّة كتب عن العلاقات الفرنسية ــ الإفريقية، يكرّس كتابه الأخير الصادر قبل أسابيع قليلة للقارّة الإفريقية أيضا.
وهو يشرح فيه ما يعتبره «أوهام» فرنسا أن لها حضورا قويا في إفريقيا أو أنها «عارفة حقا» بما يجري في تلك القارّة. يحمل الكتاب عنوانا يدل على مثل تلك «القراءة» لهشاشة الحضور الفرنسي فيها مفاده «متغطرس مثل فرنسي في إفريقيا».
وكما يدلّ العنوان يركّز المؤلف على مدى صفحات الكتاب على أن فرنسا«بالغت في غطرستها في إفريقيا» وهي اليوم «تدفع غاليا ثمن ذلك». ولا يتردد في القول أن المسؤولين الفرنسيين ربما كان باستطاعتهم تجنّب الكثير من الفشل في القارّة لو كانوا أقلّ «غطرسة» وأولوها حقيقة الاهتمام المطلوب بمنطقة يُفترض أنها مهمّة لمصالحهم.
في مثل هذا السياق يستخدم انطوان غلازير توصيفات من نوع «غطرسة» و«جهل» و«ارتجال» للسلوكية الفرنسية حيال القارّة الإفريقية. ويحاول أن يبيّن في تحليلاته لهذه السلوكية واقع جهل المسؤولين الفرنسيين لـ «الحقائق السياسية والعقائدية والاجتماعية والاقتصادية لهذه القارّة» وحيث إن مثل هذا الجهل لا بدّ وأن ينتج عنه «مفاهيم وقرارات خاطئة».
ويوجّه مؤلف هذا الكتاب، الخبير بالشأن الإفريقي ما يشبه «الاتهام الصريح» للمسؤولين المعنيين بأنهم ظلّوا «أسرى أشكال من التبسيط المفرط والمخلّ » بعيدا عن تقديم الجهد المطلوب والضروري والذي يصب في مصلحة فرنسا أصلا في سبيل فهم «تعقيدات» الوضع الإفريقي.
ولا يقتصر استخدام المؤلف لتوصيف «الغطرسة» للمسؤولين الكبار في هرم الدولة الفرنسية، لكنه يسحبه أيضا على مجموعات الفرنسيين الذين أمضى البعض منهم عقودا طويلة في القارّة الإفريقية بصفات متنوعة ليس أقلّها القيام بمهام تربوية وعسكرية. هذا في إطار واقع تميّز، منذ الحقبة الاستعمارية خاصّة، بسعي فرنسا لتصدير ثقافتها ولغتها وقوانينها إلى البلدان الإفريقية التي وقعت تحت هيمنتها.
الفرنسيون الذين شكّلوا تلك المجموعات أيضا يطالهم، بأغلبيتهم الساحقة، ذلك التوصيف من زاوية أنهم وجّهوا جهودهم باستمرار نحو جعل الأفارقة «مثلهم» و«على شاكلتهم» وكـ «نسخة عن الأصل،الفرنسي». هذا دون أية محاولة جديّة لفهم «رغباتهم» و«خصوصياتهم».
تجدر الإشارة أن المؤلف يكرّس الكثير من الصفحات لاستعراض تجربة العسكريين الفرنسيين في «إفريقيا الوسطى» التي يصفها بكتابه ما مفاده أن «حالة إفريقيا الوسطى تدل بشكل بليغ على موقف الجيش الفرنسي الذي لا يزال يعتقد أنه يعرف إفريقيا مثلما يعرف راحّة كفّه».
ويخلص المؤلف إلى نتيجة أساسية مفادها أنه «انتهى الزمن الذي كان يكفي فيه نشر 200 عسكري فرنسي في المدينة، وإطلاق ثلاث رشّات من الرصاص في الفضاء، ومرور طائرتي ميراج في الجو كي يسود الأمن والنظام» في هذا البلد الإفريقي أو ذاك.
مع الإشارة أنه في أذهان الغالبية العظمى من الفرنسيين يمثّل الجنود الفرنسيين في إفريقيا نوعا من المدافعين عن القيم الفرنسية التي أنتجتها الثورة الفرنسية الكبرى. هذا في الوقت الذي تنتمي نسبة كبيرة منهم إلى أبناء المهاجرين في الضواحي الذين وجدوا فرصة العمل في الانخراط بصفوف الجيش الفرنسي فوجدوا أنفسهم في «أتون حرب أهلية» في هذا البلد الإفريقي أو ذاك.
ما يشرحه المؤلف أيضا هو أنه كان لـ «الغطرسة الفرنسية» نتائجها السلبية الكبرى بالنسبة لفرنسا ولمكانتها لدى الأفارقة. هكذا يرى الجيل الإفريقي القديم،الموروث من الحقبة الاستعمارية، في فرنسا «بلدا ناكرا للجميل». مع التذكير أن الكثير من الأفارقة دفعوا حياتهم في صفوف المقاتلين الفرنسيين على جبهات القتال.
والأمر نفسه بالنسبة لحصّة فرنسا من الأسواق الإفريقية حيث غدت فرنسا تندفع نحو الهامش أكثر فأكثر. والانحسار نفسه على الصعيد العقائدي حيث تتوسع الدعوات الإنجيلية وغيرها في مواجهة الكاثوليكية التي تفقد الكثير من مواقعها.
وتأكيد المؤلف في النهاية أنه «حان وقت التوقف عن إعطاء الدروس لإفريقيا مقابل تعلّم الدروس منها».
وفي المحصّلة، وبعد القيام بنوع من «الجرد العام» لأشكال تقهقر الحضور والنفوذ الفرنسيين في القارّة الإفريقية في مختلف الميادين، يصل المؤلف إلى التأكيد أن جهل الفرنسيين، مسؤولين ومواطنين عاديين، بإفريقيا وبالإفريقيين قاد فرنسا إلى القيام بتحليلات عفا عليها الزمن.
كما قاد إلى سوء فهم إفريقيا وخصوصياتها وتعقيداتها، والتقليل كثيرا من قيمة ثروات هذه القارّة وفي مقدّمتها الثروة البشرية الهائلة التي تتجاوز حدود القارّة إلى الشتات في مختلف أنحاء العالم.
المؤلف في سطور
انطوان غلازير. كاتب وصحفي فرنسي. مؤسس مجلّة «رسالة القارّة»، نصف الشهرية المكرّسة لإفريقيا. من مؤلفاته «ساركو ــ ساركوزي ــ في إفريقيا» و «إفريقياــ فرنسا. عندما يصبح القادة الأفارقة أسياد اللعبة»...الخ.

