تغيّرت كثيراً صورة روسيا بنظر العالم منذ وصول فلاديمير بوتين إلى المنصب الرئاسي اعتباراً من مطلع عام 2000. ذلك خاصّة بالقياس إلى ما كانت عليه النظرة في عهد سابقه بوريس يلتسين الذي كان أوّل رئيس لروسيا ما بعد الحقبة الشيوعية. واتسمت السياسة الخارجية الروسية في عهد بوتين بالتشدد حيال المحيط المجاور والعالم الخارجي باسم «العظمة القومية الروسية».
ومن بين الكتب الأخيرة العمل الذي قدّمه جان روبير جواني: «ماذا يريد بوتين؟»..هذا مع عنوان فرعي مفاده «من أجل فهم السياسة الخارجية الروسية».
يؤكد المؤلف أن الأخصائيين بالشأن الروسي منقسمون بين «أولئك الذين يرون أن روسيا غدت ذات حكم فردي مطلق وبوتين هو القيصر الجديد وأولئك الذين يرون أن إعادة تعمير الاتحاد السوفييتي هي بصدد التنفيذ. فمن هو صاحب الرأي الصواب؟»، يسأل المؤلف. ومن موقع السياسة الخارجية التي ينتهجها فلاديمير بوتين والمواقف «الجريئة إلى درجة الإثارة أحياناً»، يطرح العديد من الأسئلة.
فعن ماذا يبحث بوتين؟ هل يريد ترميم الإمبراطورية البائدة؟ أم هل ينوي منافسة القوى والحضارات الأخرى للسيطرة على العالم؟ وما هي نقاط الضعف والهشاشة التي تعاني منها روسيا ويحاول أن يخفيها؟
تتوزع مواد العمل بين ثلاثة أقسام رئيسية. يتم في الأوّل منها نقاش «المحددات الداخلية» للسياسة الخارجية الروسية. ويعالج المؤلف فيه ما يسميه «السراب الخادع لتعزيز مواقع روسيا» على المسرح الدولي. ومحور آخر : «المعادلة الروسية الداخلية المستعصية على الحل».
القسم الثاني «الأركان الفكرية للنظام الروسي الحالي» مكرس لمناقشة عملية اعطاء الإيديولوجيا الصبغة البوتينية ــ من بوتين في منظور ممارسة طريقة بوتين في ممارسة السياسة الخارجية. والفكرة الرئيسية التي تتردد في هذا الإطار هو أنه من الخطأ اعتبار أن هذه الطريقة هي بمثابة تعبير عن سلطة قويّة واثقة بنفسها.
القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب يخص التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية لفلاديمير بوتين. ويكرّس المؤلف الفصل الأول من هذا القسم، والخامس بين فصول العمل السبعة، لما يصفه بالخشية من فقدان المكانة على المسرح الدولي، وتركيز البحث في هذا الإطار على العلاقات بين روسيا والغرب.
ثم فصل يحمل عنوان «الحنين إلى الأمس». والمقصود في هذا الأمس الحقبة السوفييتية. الفصل الأخير من هذا الكتاب مكرّس لدراسة السياسة الخارجية الروسية حيال الأجنبي ــ الغريب ــ القريب، وما يدلّ على بلدان الجوار الروسي مباشرة، وحيال الأجنبي ــ الغريب ــ البعيد، في بقيّة العالم. بالنسبة للغريب القريب، تكمن السياسة الخارجية الروسية الحالية بإمكانية خوض المعارك من أجله، وبالنسبة للغريب البعيد، تبقى اللعبة في حدود المنافسة من أجل النفوذ.
ومما يؤكّد عليه المؤلف أنه في الوقت الذي توجود فيه روسيا ــ بوتين في مختلف مناطق العالم، فإن بلاده تعاني من التقهقر. ويشرح المؤلف السياسة الخارجية الروسية من خلال ملفّين بشكل أساسي. الملف الأوكراني والملف السوري. بالنسبة لأوكرانيا يرى المؤلف أنها كانت بمثابة الردّ على الزلزال الذي مثّله سقوط الاتحاد السوفييتي.
ويشرح أن إعادة الاعتبار للمسألة القومية الروسية بعد سبعة عقود من الرقابة الشيوعية عليها، أنعشت في جميع الاتجاهات قوى جديدة تولي اهتمامها لرسم الحدود غير الثابتة حتى الآن في المجال السوفييتي السابق. يكتب المؤلف: «إن الحدود الموروثة من الاتحاد السوفييتي السابق لا تحظى بالاتفاق العام حولها.. هذا والحركة البطيئة للتاريخ استأنفت مسيرتها».
وفي سوريا، كما في أوكرانيا، كان تصرّف بوتين، كما يشرح المؤلف أيضاً، نوعاً من الرد الذي تعود جذوره إلى سنوات التسعينيات. والرد على سلسلة من الإجراءات الغربية التي رأت روسيا أنها تستهدفها. وعلى رأسها توسيع إطار الحلف الطلسي والصراع على النفوذ في منطقة الجوار الروسي ــ الغريب القريب، والدرع الأميركي المضاد للصواريخ في أوروبا..الخ.
ويصل المؤلف بنتيجة تحليلاته إلى التأكيد أن اللجوء إلى استخدام القوّة من قبل روسيا في أوكرانيا وسوريا ليس استمراراً للحرب الباردة، فروسيا لم يعد لديها كتلة حولها، كما كان الأمر بالنسبة للاتحاد السوفييتي. وليس أيضاً نوعاً من توجيه الرسالة للعالم أو لفرض الهيمنة الروسية.
لكن «على العكس تتدخّل روسيا باسم الدفاع عن وضعها الداخلي. ذلك أن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وخاصة إلى الحلف الأطلسي قد يشكّل تهديداً وجودياً بالنسبة لموسكو، بينما أن الخوف من انتشار التطرّف على الأرض الروسية هو خوف حقيقي»، كما يوجز المؤلف الدوافع السياسية وراء السياسة الخارجية الروسية.
سحر خفي..وغموض
ما يؤكّد عليه المؤلف في شخصيّة فلاديمير بوتين بمختلف محاور هذا الكتاب هو أنه يملك «سحراً خفياً» يجذب الآخرين له. وأن «فترة حكمه الطويلة ــ منذ بداية عام 2000 ــ تثير الحسد». ثم الإقرار أنه «أعاد لروسيا موقعها على المسرح الدولي». لكن في جميع الحالات «لا أحد يفهم القوى التي تحركه». وهذا ما يكتبه المؤلف في الأسطر الأولى من مقدّمة الكتاب.
المؤلف في سطور
جان روبير جواني، خريج المدرسة الوطنية العليا للإدارة «إينا» ومعهد الولة للعلاقات الدولية في موسكو. وهو أستاذ العلاقات الدولية والحضارة الروسية ما بعد السوفييتية في كليات العلوم السياسية بباريس. سبق له وقدّم كتاباً تحت عنوان «بحثاً عن جاك شيراك».
