من الشخصيات التي تعاقبت على منصب رئاسة الحكومة ــ المستشارية ــ في ألمانيا الذي تحتله اليوم انغيلا ميركل، هناك العديد من الأسماء التي تركت أثراً وبصمة على البلاد وليس أقلّهم شهرة كونراد اديناور وويلي برانت وهلموت شميت وهلموت كول وجيرهارد شرودر. ويتم عامّة في هذا السياق ذكر اسم المستشارة الألمانية الحالية.

سيرة حياة المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر هي موضوع الكتاب الأخير الذي حرره المؤرّخ الألماني غريغور شولجن، الأستاذ في جامعة ارلانجن وسابقا في جامعتي كولومبيا وأكسفورد وصاحب ما يقارب الثلاثين كتابا عن ألمانيا وأنظمتها السياسية وتاريخها وشخصياتها الكبرى. عنوان الكتاب ببساطة هو «جيرهارد شرودر، سيرة حياة».

وفي هذا الكتاب ــ السيرة الذي يتجاوز عدد صفحاته الـ 1000 صفحة يؤرّخ مؤلفه لمسيرة رجل سياسة تولّى منصب المستشار الألماني على رأس «ائتلاف ضمّ حزبه ــ الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني ــ وحزب أنصار البيئة ــ الخضر ــ اعتباراً من شهر نوفمبر من عام 1998 وحتى شهر أكتوبر من عام 2005، وكان قد تولّى قبل ذلك عدة مناصب وزارية».

يشير كاتب السيرة في البداية أنه وضع على المستشار الألماني السابق عدّة شروط قبل الشروع في البحث عن كل ما يتعلّق بسيرة حياته. وفي طليعة تلك الشروط حقّه في الاطلاع على جميع أوراقه وحرية اللقاء بمن يراه مفيدا والوصول إلى مختلف ملفات أجهزة الأمن وملفات رئاسة الحكومةــ المستشارية ــ وقوائم المحادثات الهاتفية ومسودات الخطابات التي ألقاها والوثائق المتعلّقة بالوثائق الأمنية.. باختصار الحق بمعرفة كل شيء عن المستشار الألماني السابق.

ويبدأ المؤلف في تتبعه لمسيرة حياة جيرهارد شرودر بطفولته، بل وإلى ما سبقها عبر التعرّض لبعض ملامح سيرة أسرته ــ أبويه ــ وجدّيه لـ«التعرّف على الجذور» التي يعود لها. ويشير أن جيرهارد، المولود عام 1944، لم يكن يعرف الشيء الكثير عن والده سوى أنه كان أحد ضحايا الحرب العالمية الثانية.

لكن كاتب هذه السيرة يكشف عن الكثير من المعلومات عن ذلك الأب «فريتز» الذي كان معروف عنه أنه قضى على جبهات القتال قبل ولادة ابنه جيرهارد. ومن بين تلك المعلومات أن ذلك الأب كان عاملا زراعيا. كما يتم الكشف عن «صورة» له، يتم نشرها للمرّة الأولى، عندما كان سجينا في بلدة ماغدنبورغ على خلفية عملية سرقة. ويشير المؤلف أنه من الواضح وجود شبه كبير في الملامح بين الأب والابن.

ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن دراسة شرودر للحقوق في الجامعة وتوجهه بعد التخرّج إلى بون، حيث التحق بـ«حركة الشبيبة في الحزب الديمقراطي الاجتماعي». ولفت الأنظار له، بما في ذلك انتباه الكاتب غونتر غراس الذي أضحى من أصدقائه. كما لفت الأنظار خاصّة لتصريحاته العنيفة «ضد نصب صواريخ أميركية في ألمانيا». يشير المؤلف أنه شاعت آنذاك في مدينة بون مقولة مفادها«لم يطلب أحد شيء.. لكن شرودر يقدّم إجاباته».

هكذا يؤكّد المؤلف القول ان جيرهارد شرودر ينحدر من أصول متواضعة اجتماعياً واقتصادياً. ويشابه منبته كثيراً، ولكن أكثر تواضعاً، منبت المستشار الأسبق ويلي برانت، الذي يُعدّ أحد أكبر شخصيات القرن العشرين. ومما يكشف عنه شلوجن أن شرودر عمل لمدّة ثلاث سنوات في مطلع حياته كبائع في مخزن للزجاج والفخّار والبورسلين. وتأكيده أن شرودر كان باستمرار واعيا لأصوله، بل وفخورا بها.

أمّا المحرّك الذي كان دافعه باستمرار فيحدده كاتب السيرة بالتصميم والإرادة لتحقيق ما يصبو إليه من أهداف مهما كانت المصاعب. وهذا ما يعبّر عنه بأبيات من الشعر للشاعر الألماني برتولد بريخت علّقها شرودر على جدار في مطبخه وجاء فيها ما مفاده: «استطعت النجاة من أسماك القرش/‏ وصرعت النمور/‏ لكن البعوض التهمني».

وعبر العودة إلى المحطات الرئيسية في حياة جيرهارد شرودر السياسية كمسؤول في حزبه وكمستشار ألماني وكشخصية برزت على الساحتين الأوروبية والعالمية، يقوم المؤلف بنوع من التأريخ لفترة من التاريخ الألماني وأبعد من ذلك التاريخ الأوروبي، بل والعالمي. ويركّز على القول إن التميّز الكبير لشرودر كان على الصعيد السياسي الخارجي، العالمي.

هكذا يتوقف المؤلف عند العديد من المحطات ــ المنعطفات التي برزت خلال فترة تولّيه المسؤولية المباشرة عن سياسة ألمانيا وتوجهاتها. والتعرّض بشكل خاص للسياسة الخارجية الألمانية التي كان المؤلف قد خصّها بأحد كتبه. ومن المسائل التي يتم التأكيد عليها في هذا المجال أن شرودر لم يتردد في أن يعارض «مواجهة ودون مواربة» السياسة الأميركية التي انتهجها جورج دبليو بوش في حربه على العراق عام 2003.

وإلى جانب التوصيفات التي تُطلق عادة على مختلف الذين تولوا منصب المستشارية في ألمانيا، مثل وصف برانت بـ«مستشار السياسة الواقعية» حيال بلدان أوروبا الشرقية بما فيها الاتحاد السوفييتي السابق... ووصف كول أنه مستشار إعادة توحيد الأمّة الألمانية، فإن مؤلف هذا الكتاب ــ السيرة يرى في شرودر «المستشار الذي قال لا قويّة لمساهمة ألمانيا في حرب 2003 في العراق».

ويشير المؤلف أن شرودر كان معزولا في البداية في ذلك الموقف على الصعيد العالمي. لكن وقف إلى جانبه بعد ذلك الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وغيرهما. بل ان انغيلا ميركل التي كانت على رأس المعارضة آنذاك صرّحت علانية عام 2003 أن شرودر يتحدّث بـ«اسم جميع الألمان». ما يؤكّد عليه المؤلف أن شرودر كان «مرغماً على الاستقالة في حالة العثور على أسلحة دمار شامل في العراق أثناء حرب 2003 ».

وسيرة حياة على مدى أكثر من 1000 صفحة للمستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر تكشف عن أصوله العائلية المتواضعة والمعقّدة وعن طموحاته في السلطة ومواقفه حيال قضايا العالم وسياساته، وعبر ذلك كلّه التأريخ لحقبة كاملة من التاريخ الأوروبي والعالمي.