تتالى منذ اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انفجرت انطلاقاً من الولايات المتحدة في خريف عام 2008، الكتب والدراسات حول التفسيرات والتحليلات عن الأسباب الكامنة وراء تلك الأزمة التي لا سابق لها منذ الكساد الاقتصادي العالمي الذي جسّدته أزمة عام 1929 واستمرّت لسنوات.

ما يمكن تأكيده هو أن الغالبية العظمى من تلك الأدبيات المتنوّعة تصب عامّة في تحميل مسؤولية تلك الأزمة الكبرى للسياسات التي انتهجتها المجموعات المالية أو بعض الإدارات الحكومية. وتكررت كثيراً بهذا الصدد أسماء البنوك الأميركية الكبرى التي ليس أقلّها شهرة مورغان وغولدمان ساكس وليمان براذر والبنك الفدرالي الأميركي والخزينة الأميركية.. إلى بقيّة السلسلة.

الباحثان الاقتصاديان الأميركيان: جورج أ. أكيرلوف، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد عام 2011 والأستاذ في جامعة بيركلي، وروبرت ج. شيلر، الحائز أيضاً جائزة نوبل للاقتصاد عام 2013 وأستاذ الاقتصاد والتمويل في جامعة يال، يقدّمان كتاباً مشتركاً تحت عنوان «صفقة المخدوعين ــ المغبونين»، ويناقشان فيه المسائل المتعلّقة بـ«اقتصاد التلاعب وخيبة الأمل»، كما يفيد عنوانه الفرعي.

تتوزّع مواد هذا الكتاب بين 11 فصلاً لها دلالاتها الواضحة على المواضيع التي تتم مناقشتها. هكذا تحت عنوان «فواتير غير مدفوعة وانهيار مالي»، يتم في القسم الأول الحديث عن «الإغراء ــ للاستثمار والاستهلاك ــ في كل مكان»، و«كيف تختار قبل أن تشتري».

ويقدّم المؤلفان تفسيراً جديداً للأزمة المالية والاقتصادية العالمية الأخيرة. كما يشرحان على مدى فصول القسم الأول من هذا الكتاب التبدّلات الجوهرية التي عرفتها المنظومات الاقتصادية منذ سبعينات القرن الماضي حتى الوقت الراهن.

ويشرحان أنه في السابق «كانت بنوك الاستثمار فاعلة وموثوقة» و«وكالات التصنيف الائتماني تقدّم تقييمات صحيحة». وبشكل عام كان الاقتصاد يقوم على مفهوم «الإنتاج». لكن الصورة تغيّرت و«لم تعد الثقة هي أساس النشاط الاقتصادي»، و«وأصبحت مؤسسات التصنيف الائتماني تقدّم تقييمات مغلوطة».

وخلفية ذلك يتم تحديدها في «تحوّل كبير في نظام بنوك الاستثمار كما في وكالات التصنيف». المثال البليغ على ذلك المضروب، هو أنه «في عام 1970 كان رأس مال بنك غولدمان ساكس يعود للمساهمين. وفي عام 1999 أصبح يعود لأسواق البورصة».

ويركزان في هذا السياق أن الأزمة المالية العالمية الأخيرة لم تكن بعيدة عن «استغلال السمعة» للترويج لما هو غير موثوق من حيث نتائجه الاقتصادية. ذلك على مبدأ «إذا كنت أملك الشهرة، وسمعة كبيرة ببيع التفّاح الجيّد، فإن أمامي فرصة بيع تفاح رديء بأسعار التفّاح الجيّد»، كما يكتبان.

هكذا يشيران أيضاً إلى أن بنك «غولدمان ساكس» قام في عام 1969 بشراء سندات لزبائنه، طرحتها مؤسسة «بين سنترال» في السوق، بقيمة 87 مليون دولار. لكن «بين سنترال» أعلنت إفلاسها في العام التالي. واجه بنك «غولدمان ساكس» سيلاً من الدعاوى التي رفعها زبائنه للمحاكم الأميركية.

كانت التهمة الأساسية الموجهة للبنك أنه كان يملك معلومات حول هشاشة مؤسسة «بين سنترال»، لكنه قام بإخفاء تلك المعلومات طمعاً في تحقيق «الصفقة» التي أبرمها معها «على حساب زبائنه». يرى المؤلفان أن تلك القضيّة «ذكّرت بنوك الاستثمار بضرورة أن تبقى عملياتها لا غبار عليها. ولا غبار أيضاً على علاقاتها بمؤسسات التصنيف الائتماني».

وفي القسم الثاني من الكتاب يتعرّض المؤلفان طويلاً، لشرح الدور الذي قام فيه القائمون على «الصناعة الإعلانية». واتهامهم بمحاولة استغلال «نقاط الضعف» لدى المستهلكين. وتأكيد أن الدعاية دخلت جميع مجالات النشاط الاقتصادي، بما في ذلك الأكثر حساسية مثل عالم الأدوية.

ويحاولان في هذا القسم الذي يحمل عنوان «صفقة المخدوعين في سياقاتها»، الإجابة على السؤال التالي: هل تعلّم القائمون على الدعاية استهداف نقاط ضعفنا؟ ثم يبحثان في الفصول الأخرى المسائل المتعلّقة بـ«السيارات والسكن والبطاقات البنكية وكيفية التلاعب بأسواقها»، و«سياسة المخدوعين» من خلال العلاقة بين المال والسياسة في الإطار الديمقراطي.

وفصل عن «الأغذية والأدوية» وآخر عن «التبغ والكحول».. واختتام هذا القسم بفصول عن «إعلان الإفلاس من أجل تحقيق أرباح» و«ما يقال ولا يقال عن الاستخدام السيئ للاقتصاد» و«المقاومة وأبطالها». وينتهي الكتاب بـ«خاتمة وملحق».

ما يشرحه المؤلفان أيضاً أن عدم النزاهة والتلاعب لم تعد مجرّد ممارسات استثنائية وعَرَضية، ولكنها أصبحت «في صميم الاقتصاد اليوم». في إطار المنافسة الشرسة التي فرضتها قواعد اقتصاد السوق بحيث أنه «يتم منهجياً استغلال أيّ فرصة لزيادة الكسب».

وفي طليعة الأهداف التي حددها المؤلفان، محاولة إفهام القارئ آليات عمل الاقتصاد اليوم، وبالتالي مساعدته على اتخاذ القرارات الصحيحة على كيفية «الاختيار قبل الشراء»، والتوافق في الاختيار بين الرغبة و«الميزانية»، بعيداً عن «الاقتراض السهل»، والمخاطرة بعدم إمكانية السداد في الآجال المفروضة.

وفي المحصّلة يمثّل هذا الكتاب دليلاً ثمين القيمة بالنسبة للمستهلكين على مختلف مستوياتهم، من أجل ألا يكونوا موضوعاً للتلاعب بهم وممارسة أي نوع من «الاحتيال» عليهم. ولا شك أنه مفيد للجميع من رجال السياسة حتى عامّة الناس.