من الأقوال التي تتردد دائماً أنه طالما هناك حياة هناك أمل. وليست قليلة هي المرّات التي يتم التأكيد فيها بأشكال مختلفة عن «ضيق العيش لولا فسحة الأمل». ولكن هذا كلّه لا يمنع واقع القول إن الكثير من البشر يعيشون خارج هذه الفسحة لأسباب تتنوّع وتتعدد تبعاً للمجتمعات المعنيّة بها.

وهناك مصادر تهديد للأمل تتراوح من البطالة وفقدان فرص العمل إلى النزاعات المسلحة والحروب وشبح الأعمال الإرهابية. باختصار هناك أسباب عديدة لفقدان الطاقة والاندفاع بامتلاك الأمل.

وسؤال «هل للأمل مستقبل؟»، هو بالتحديد عنوان كتاب «دومينيك اتلان»، الصحافية الفرنسية و«روجيه بول دروا»، الفيلسوف وأحد المشرفين على ملحق الكتب الأسبوعي في صحيفة «لوموند» الفرنسية. وعنوان فرعي مفاده «الانتهاء من حالة التشاؤم».

إن مؤلفي هذا الكتاب يناقشان الأمل وأهميته بالنسبة لحياة البشر في الفصول الخمسة التي يتألف منها والتي تحمل العناوين التالية: الأمل يأتي من بعيد، الأمل ــ الزمن، الأمل الفاعل، الألم ــ صديق الفلاسفة وأخيراً تعلّم الأمل.

وفي مجمل هذه الفصول، يحاولان العمل على تغيير «توجّه التشاؤم السائد» في السياق الحالي وتقديم مختلف الحجج بالاعتماد على دروس التاريخ ومسارات الحياة وتبيين أنه حتى الفلاسفة، رغم تشاؤمهم المعهود، نظر الكثيرون من أبرزهم، أن الأمل هو أحد سبل النجاة. ما يحاول المؤلفان في مختلف تحليلات هذا الكتاب هو في الواقع تقديم إجابات عن السؤال التالي: كيف يمكن استعادة الأمل في حقبة أعلنت عليه؟.

وبعد ملاحظة أن تعبير الأمل قد اختفى من المخيلة الغربية في لحظة من التاريخ تسود فيها الأزمات بمختلف مظاهرها، يؤكّد المؤلفان أنه يمتلك مع ذلك «قدرّة خلاّقة» حقيقية. يكتبان أن الأمل هو «أحد أبعاد الكرامة الإنسانية، لكن البعد الذي لا يتم الانتباه له كثيراً.(...). والأمل يعني امتلاك التفكير الحرّ والمسؤولية حيال المستقبل وحتى لو كان هذا المستقبل يلفّه الضباب».

بهذا المعنى يصف المؤلفان الأمل أنه نوع من «المعركة المستمرّة» التي ينبغي على البشر خوضها ضد مختلف أشكال النزعات التشاؤمية التي تدفع نحو التخلّي والتراجع.

والإشارة أن الفلاسفة كانوا في طليعة أولئك الذين قرروا «التخلّي عن الأمل» من أجل الالتحاق بركب المعرفة. ويكرّس المؤلفان العديد من الصفحات لشرح أن «مهمّة التفكير بالأمل، وإعادة التفكير فيه» تتطلّب بالضرورة القيام بقطيعة مع الإرث الفلسفي الغربي الثقيل.

ذلك على أساس أنه منذ الحقب القديمة حتى اليوم «برزت ظاهرة محاولة الحذف الفلسفي للأمل» من التفكير الغربي. ويترتب على ذلك، كما يرى المؤلفان، أن الأمل يعني اليوم «السباحة ضد التيار وبعكس إرث فكري غير معروف كثيراً لكنه في غاية القوّة بحيث جعل من الأمل خصماً للفلاسفة».

بكل الحالات يؤكّد المؤلفان، بمواجهة مختلف الفلاسفة الذين رفعوا الأمل أو أظهروا الحذر منه، أنه يشكّل «مشاعر متعقّلة فريدة من دونها يفقد الإنسان الكثير من مكانته»، كما نقرأ. ويجدان سند ذلك عند عدد من الفلاسفة. هكذا ينقلان عن المفكّر الألماني ارنست بلوك صاحب كتاب «مبدأ الأمل» الصادر في سنوات الخمسينيات المنصرمة، ما مفاده «على الفلسفة الاهتمام بالغدّ والانحياز للمستقبل ومعرفة الأمل، أو أنه لن يكون لديها أيّة معرفة».

ما يريد أن يؤكّده المؤلفان على مدى صفحات هذا العمل هو أن طرح السؤال حول مستقبل الأمل «ليس ضرباً من الترف الفكري المثير للضحك»، كما يشير كُثر في فرنسا اليوم. ويقصدون بذلك جحافل المتشائمين من كل صنف وصولاً إلى أولئك القائلين بانحدار فرنسا الذين يصل بهم الأمر إلى حدّ الحديث عن «الانتحار الفرنسي»، كما جاء في عنوان كتاب صدر في العام الماضي للكاتب السياسي «اريك زيمّور».

المؤلفان ليسا من معسكر المتشائمين، لكنهما يؤكّدان بالوقت نفسه أن الأمل ليس نوعاً من السحر الذي يتحقق دون عمل. والعمل يتضمّن بالضرورة نوعاً من المخاطرة التي لا بدّ من قبولها. وأوّل المخاطر «إعطاء الثقة للآخرين» الذين قد يكونون مصدر خيبات أمل متعددة. والتأكيد أنه لا ينبغي أبداً التخلّي عن الأمل لأننا نصاب أحياناً بخيبة أمل.

لكن المؤلفين يريان أن مواجهة خيبة الأمل هي أيضاً ممارسة متبصّرة للأمل المدروس ذي البعد الإنساني وليس للآمال الوهمية أو الآمال الفردية «الأنانية» التي تنتهي بانتهاء أصحابها. ويركزان باستمرار على الآمال التي لا تلغي من منظورها أجيال المستقبل.

ويذكران في هذا السياق أفكار الفيلسوف هانس جوناس الذي يريان أنه ركّز تفكيره على المسؤولية الأخلاقية حيال العالم والتي ينبغي نقلها إلى أجيال المستقبل. وبالتوازي نقل رسالة الأمل والتفاؤل إلى الأبناء. والتأكيد على أهمية أن يشرح الأهل لهم تعقيد العالم. لكن عدم نسيان التأكيد أيضاً أن للعالم وجهه الآخر، فـ «النسخة القاتمة للعالم يقابلها نسخة مضيئة».

والتأكيد في مثل هذا السياق أن العالم المعاصر، المأخوذ بكل ما هو مباشر وبالحاضر حصراً، إنما هو عالم «يجعل الأفق مسدوداً أمام الأمل ويفتقر إلى الوقت والفعل والفكر الذي يعطيه مكانته وحظوظه وفرص تعلّمه من جديد». ورغم ذلك يؤكّد المؤلفان على ضيق العيش من دون فسحة الأمل.