اعتباراً من مطلع هذا القرن الحادي والعشرين تولّى فلاديمير بوتين قيادة روسيا، بعد سنوات حكم بوريس يلتسين الذي كان أول رئيس لروسيا بعد سقوط النظام السوفييتي الشيوعي. النظام الذي استمرّ ما يزيد على سبعة عقود من الزمن اتسمت بحكم ذي طبيعة استبدادية عرف أوج ممارساته القمعية في عهد جوزيف ستالين.
قيل الكثير عن شخصيّة فلاديمير بوتين. وذكّر أغلبية المحللين أنه ضابط جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق «كي جي بي». وقام البعض بتشبيهه بالدكتاتور السوفييتي الشهير ستالين. بل وذهب آخرون إلى المقارنة بينه وبين ادولف هتلر أو بـ «عرّابي المافيا»..
ومن هذه الفئة الأخيرة «غاري كاسباروف»، بطل العالم الشهير في لعبة الشطرنج، والمعارض الروسي المعروف، الذي وجد تشابهاً كبيراً بين «بوتين وهتلر». ويكرّس كتابا لدراسة «موقف فلاديمير بوتين حيال العالم الحر»، بمعنى الغربي. ويحمل الكتاب عنوان «حلّ الشتاء».
وكما أن الشتاء يبدو فصل التهديد بالبرد الشديد والعواصف والليالي السوداء المظلمة، فإن «كاسباروف» يرى أن فلاديمير بوتين «يمثّل هو الآخر تهديدا» أيضا للعالم الحر. ويحدد القول انه «يريد تدمير الاتحاد الأوروبي» بشكل عام وإنهاء أي مظهر للحريّة في البلدان المجاورة لبلاده بشكل خاص. والإشارة أن فلاديمير يطمح إلى بناء سلطة مركزية في روسيا يكون هو قطبها الموجّه الوحيد وإلى أن يجعل من روسيا مركز ما يعتبره مجالها الإستراتيجي.
ولا يتردد كاسباروف في التأكيد أنه لدى بوتين «برنامجا في غاية العدوانية» حيال أولئك الذين يرى بهم منافسين لسلــــطته التي يريد لها أن تكون «مطلقة».
وينقل «كاسباروف» عن العديد من المصادر والباحثين الغربيين ما تمّ الاتفاق عليه بأن بوتين «سوف ينأى بروسيا عن أي توجّه يجعلها تقترب من حيث منظومتها مع العالم الحر»..وما يردده كاسباروف بأشكال مختلفة في الكتاب هو أن بوتين، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات السوفييتية، لم يغدو «دكتاتورا فحسب»، بل غدا أيضا مصدر «تهديد بالنسبة لبقيّة العالم».
إن «غاري كاسباروف»، الذي يقود معركة سياسية ضد بوتين منذ أكثر من عقد من الزمن حيث كان قد أنشأ تنظيماً سياسياً لمقارعته، يقيم نوعاً من المقارنة بين بوتين والتنظيمات المتطرّفة اليوم، ليصل إلى نتيجة أساسية مفادها أنه في الحالتين هناك «نفس النموذج في سبل تثبيت اركان السلطة»، كما يبقى الخصم واحدا، وهو ما يسميه كاسباروف «العالم الحرّ».
تتمثّل أحد الأفكار الرئيسية التي تتكرر في تحليلات «كاسباروف» في تأكيده أن العالم الغربي بمجمل دوله لا يزال ينظر إلى فلاديمير بوتين كرئيس دولة مثل رؤساء الدول الآخرين. وتأكيده بالتالي أن مثل هذه المقولة «الخاطئة» تعزز مواقع الرئيس الروسي في بلاده، كما على صعيد المجموعة الدولية.
هذا مع الإشارة أن كل ما يتردد أحيانا من نقد على لسان قادة غربيين لا يكتسي أهمية كبيرة بنظر بوتين. فالمهم هو «الأفعال وليس الأقوال». هكذا ليس مهماً مثلاً ما ردده الرئيس الأميركي باراك اوباما أن بوتين «ذو سلطة محليّة» طالما أنه لم يستخدم قوته العسكرية عندما اجتاحت قوات بوتين شبه جزيرة القرم وليس هناك دبابة أميركية واحدة في أوروبا.
وكذلك ليس مهماً أن يهدد اوباما بشار الأسد، تحت نظر حليفه بوتين، بأن استخدام السلاح الكيماوي خط ليس من المسموح تجاوزه ثم لا يفعل في النهاية اي شيء. ولا يتردد كاسباروف في القول ان سوريا ليست سوى مناسبة لبوتين كي يقدّم نفسه على المسرح الدولي على أنه قادر على تحدي الحلف الأطلسي وأن يفرض ما يريد.
وهذا يعني من وجهة نظر كاسباروف «تجاهل الخطر الحقيقي» الذي يمثّله. ويعيد للأذهان مثال هتلر الذي لم ير فيه الغربيون عموما في البداية، من أميركا حتى اوروبا، سوى مجرّد «شخص مزعج يريد اللعب على مشاعر الشعب» وأنه يمكن بالمقابل «إيجاد صيغة للتعايش معه». لكن يعرف الجميع أنه كان وراء نشوب حرب كونية وعشرات الملايين من الضحايا.
ويركز المؤلف على القول في هذا السياق ان الغربيين لم يقدّموا المساعدة الحقيقية لروسيا ما بعد الشيوعية. بالتحديد عبر المساعدة على قيام مؤسسات قادرة على النهوض بالبلاد وليس «تركها تسقط» في حضن الفوضى والأثرياء الجدد الذين تسلّقوا على مراكز السلطة. والإشارة أنه «إذا كان الفساد مشكلة في عهد بوريس يلتسين فإنه غدا بمثابة منظومة في عهد بوتين».
كتاب عن رؤية روسية مناهضة لفلاديمير بوتين. وعرض الكثير من المعلومات عن آلية عمل السلطة الروسية الحالية.
